الأول : أن إبليس ، هل كان عالما بأن الذي تكلم معه بقوله :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ
هو إله العالم ، أو لم يعلم ذلك ؟ فإن علم ذلك ، ثم إنه تعالى قال :
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعا له من المعصية ، مع أنّه سمعه من اللّه تعالى من غير واسطة ؟ وإن لم يعلم أنّ هذا القائل هو إله العالم ، فكيف قال :
« أرأيتك هذا الذي كرمت علي » ؟ ! .
والجواب : لعلّه كان شاكّا في الكلّ أو كان يقول في كلّ قسم ما يخطر بباله على سبيل الظنّ .
والسؤال الثاني : ما الحكمة في كونه أنظره إلى يوم القيامة ، ومكّنه من الوسوسة ، والحكيم إذا أراد أمرا ، وعلم أنّ شيئا من الأشياء يمنع من حصوله ، فإنّه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع ؟ .
والجواب : أمّا مذهبنا ، فظاهر في هذا الباب ، وأمّا المعتزلة ، فقال الجبائيّ : علم اللّه أن الذين كفروا عند وسوسته يكفرون ، بتقدير ألا يوجد إبليس ، وإذا كان كذلك ، لم يكن في وجوده مزيد مفسدة .
وقال أبو هاشم : لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة ، إلّا أنه تعالى أبقاه تشديدا للتّكليف على الخلق ؛ ليستحقّوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثّواب ، وقد تقدّم الكلام على ذلك في الأعراف والحجر .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 66 إلى 68 ]
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 66 ) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ( 67 ) أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً ( 68 )
قوله تعالى :
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ
الآية .
اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته ، وقد تقدم أن المقصود في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد ، فإذا امتدّ الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد ، فذكر هاهنا وجوه الإنعامات في أحوال ركوب البحر ، فأوّل كيفية حركة الفلك على وجه البحر ، فقال جلّ ذكره :
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ
والإزجاء سوق الشيء حالا بعد حال ، وقد تقدّم في تفسير قوله تعالى :
بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ
[ يوسف : 88 ] أي : ربّكم الّذي يسير لكم الفلك على وجه البحر ؛
لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
في طلب التجارة
إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
، والخطاب في قوله : « ربّكم » وفي قوله « بكم » للكلّ ، والمراد من الرحمة : منافع الدنيا ومصالحها .
والثاني : قوله :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ
أي : خوف الغرق « ضلّ » ، بطل
مَنْ