تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
قوله بعد هذا
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ
[ الإسراء : 43 ] ، قرأه بالخطاب الأخوان ، والباقون بالغيبة فتحصّل من مجموع الأمر : أنّ ابن كثير وحفصا يقرآنهما بالغيبة ، وأن الأخوين قرءوا بالخطاب فيهما ، وأن الباقين قرءوا بالغيبة في الأول ، وبالخطاب في الثاني . فوجه قراءة الغيب فيهما أنه : حمل الأوّل على قوله :
وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً
[ الإسراء : 41 ] ، وحمل الثاني عليه ، ووجه الخطاب فيهما : أنه حمل الأوّل على معنى : قل لهم يا محمد لو كان معه آلهة كما تقولون ، وحمل الثاني عليه . ووجه الغيب في الأول : أنه حمله على قوله
« وَما يَزِيدُهُمْ »
والثاني التفت فيه إلى خطابهم . قوله : « إذن » حرف جواب وجزاء ، قال الزمخشريّ : وإذن دالّة على أنّ ما بعدها ، وهو « لابتغوا » جواب لمقالة المشركين ، وجزاء ل « لو » . وأدغم أبو عمرو الشين في السين ، واستضعفها النحاة ؛ لقوّة الشّين .

فصل في معنى الآية

المعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين :
لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا
لطلبوا - يعني الآلهة -
إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
بالمغالبة والقهر ؛ ليزيلوا ملكه ؛ كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض ، وهذا يرجع إلى دليل التمانع ، وسيأتي - إن شاء اللّه تعالى - عند قوله - عزّ وجلّ - في سورة الأنبياء - صلوات اللّه عليهم -
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] وقيل : المعنى : لطلبوا - يعني الآلهة -
إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
بالتقرّب إليه ، لأنّ الكفار كانوا يقولون :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] . فقال تعالى : لو كانت هذه الأصنام تقربكم إلى اللّه زلفى ، لطلبت لأنفسها أيضا القرب إلى اللّه تعالى ، فكيف يعقل أن تقربكم إلى اللّه ، ثم نزّه نفسه فقال :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً
. قوله تعالى :
وَتَعالى
: عطف على ما تضمّنه المصدر ، تقديره : تنزّه وتعالى . و « عن » متعلقة به ، أو ب « سبحان » على الإعمال لأنّ « عن » تعلقت به في قوله
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
[ الصافات : 180 ] و « علوّا » مصدر واقع موقع التعالي ؛ لأنّه كان يجب أن يقال : تعاليا كبيرا ، فهو على غير المصدر كقوله :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
[ نوح : 17 ] [ في كونه على غير الصدر ] . والتّسبيح عبارة عن تنزيه اللّه تعالى عمّا لا يليق به . والفائدة في وصف ذلك العلوّ بالكبر : أنّ المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصّاحبة ، والولد ، والشّركاء ، والأضداد ، والأنداد ، منافاة بلغت في القوّة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها ؛ لأنّ المنافاة بين الواجب لذاته ، والممكن لذاته ، وبين القديم والمحدث ، وبين الغنيّ والمحتاج منافاة لا يعقل الزيادة عليها ، فلهذا السبب وصف اللّه تعالى ذلك العلو بالكبر .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 295 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب