النهي وتقدّم الكلام عليه ، و « ملوما » : إمّا حال ، وإمّا خبر كما تقدّم ؛ ومعنى كونه ملوما :
أنه يلوم نفسه ، وأصحابه أيضا يلومونه على تضييع المال وإبقاء الأهل في الضّرر والمحنة ، أو يلومونه بالإمساك إذا سألوه ولم يعطهم ، وأمّا كونه محسورا ، فقال الفراء :
العرب تقول للبعير : محسور ، إذا انقطع سيره ، وحسرت الدابّة ، إذا سيّرتها حتى ينقطع سيرها ، ومنه قوله تعالى :
يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
[ الملك : 4 ] .
وقال قتادة - رحمه اللّه - : محسورا نادما على ما فرط منك « 1 » ويجمع الحسير على حسرى ، مثل : قتلى وصرعى .
قال الشاعر : [ الطويل ]
3410 - بها جيف الحسرى ، فأمّا عظامها * فبيض وأمّا جلدها فصليب « 2 »
وحسر عن كذا ، كشف عنه كقوله [ الطويل ]
3411 - . . . يحسر الماء تارة * . . . « 3 »
والمحسور : المنقطع السّير ، ومنه حسرت الدّابة ، قطعت سيرها ، وحسير أي :
كالّ : تعبان بمعنى : محسور .
قال القفال « 4 » : شبّه حال من أنفق كلّ ماله بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع مطيته ؛ لأنّ ذلك المقدار من المال ، كأنّه مطيّة تحمل الإنسان إلى آخر السّفر ، كما أن ذلك البعير يحمله إلى آخر منزله ، فإذا انقطع ذلك البعير بقي في وسط الطّريق عاجزا متحيّرا ، فكذلك إذا أنفق الإنسان مقدار ما يحتاج إليه في مدّة شهر ، بقي في وسط ذلك الشهر عاجزا متحيرا ، ومن فعل هذا ، لحقه اللّوم من أهله والمحتاجين إلى إنفاقه عليهم بسبب سوء تدبيره ، وترك الحزم في مهمّات معاشه . ثم قال تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
أي يوسّعه على البعض « ويقدر » ، أي : يضيّق على البعض بحسب ما يعلم من المصالح .
قال تعالى :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
[ الشورى : 27 ] والقدر في اللغة التّضييق . قال تعالى :
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
[ الطلاق : 7 ] .
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
[ الفجر : 16 ] أي : ضيّق .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 31 ]
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 )
قوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
الآية في تقرير النظم وجوه :
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 72 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 156 .