تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
العذاب ، ومنهم : من يريد طاعة اللّه ، وهم أهل الثواب ، ثم شرط في ذلك ثلاثة شروط : أن يريد الآخرة ، وأن يعمل عملا ، ويسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة ، وأن تكون مؤمنا لا جرم فصّل في هذه الآية تلك المجملات ، فبدأ أوّلا بشرح حقيقة الإيمان ، وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ، ونفي الشّرك ، فقال عزّ وعلا :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
. ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون المشتغل بها ساعيا سعي الآخرة . قال المفسّرون « 1 » : الخطاب مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم والمراد غيره كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ الطلاق : 1 ] وقيل : الخطاب للإنسان ، وهذا أولى ؛ لأنّه تعالى عطف عليه قوله - تعالى - :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] إلى قوله تعالى :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما
. وهذا لا يليق بالنبي - صلوات اللّه وسلامه عليه - لأنّ أبويه ما بلغا الكبر عنده . والمعنى : أنّ من أشرك باللّه ، كان مذموما مخذولا ؛ ويدل على ذلك وجوه : الأول : أنّ المشرك كاذب ، والكاذب يستوجب الذمّ ، والخذلان . الثاني : أنّه لما ثبت بالدّليل : أنّه لا إله ولا مدبّر إلّا الواحد الأحد ، فحينئذ : يكون جميع النّعم حاصلة من اللّه - تعالى - ، فمن أشرك باللّه ، فقد أضاف بعض تلك النّعم إلى غير اللّه ، مع أن الحقّ أن كلّها من اللّه ، فحينئذ يستحقّ الذمّ ؛ لأنّ المستحقّ للشّكر على تلك النعم هو الخالق لها ، فلمّا جحد كونها من اللّه - تعالى - فقد قابل إحسان اللّه - تعالى - بالإساءة والجحود ، فاستوجب « 2 » الذمّ ، ويستحقّ الخذلان ؛ لأنّه لما أثبت للّه شريكا ، استحقّ أن يفوض أمره إلى ذلك الشّريك ، ولمّا كان ذلك الشريك معدوما ، بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين ، وذلك عين الخذلان . الثالث : أنّ الكمال في الوحدة ، والنقصان في الكثرة ، فمن أثبت الشّريك ، فقد وقع في جانب النقصان . قوله تعالى :
فَتَقْعُدَ
: يجوز أن تكون على بابها ، فينتصب ما بعدها على الحال ، ويجوز أن تكون بمعنى « صار » فينتصب على الخبريّة ، وإليه ذهب الفراء والزمخشريّ ، وأنشدوا في ذلك :
3393 - لا يقنع الجارية الخضاب * ولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تلتقي الأركاب * ويقعد الأير له لعاب « 3 »
أي : ويصير ، والبصريّون لا يقيسون هذا ، بل يقتصرون به على المثل في قولهم : « شحذ شفرته ؛ حتّى قعدت كأنّها حربة » .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 146 . ( 2 ) في ب : فاستحق . ( 3 ) البيتان لبعض بني عامر ينظر : معاني الفراء 2 / 274 ، البحر 6 / 69 ، التهذيب واللسان « ركب » ، الدر المصون 4 / 381 .