تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
الليل ، من « مكّة » إلى « الشام » مسيرة أربعين ليلة ؛ وذلك أنّ التنكير دلّ على البعضيّة ، ويشهد لذلك قراءة عبد اللّه وحذيفة « من اللّيل » ، أي : بعضه ؛ كقوله :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ
[ الإسراء : 79 ] . انتهى . فيكون « سرى » و « أسرى » ك « سقى » و « أسقى » والهمزة ليست للتعدية ؛ وإنما المعدّى الباء في « بعبده » ، وقد تقدّم أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور ، في البقرة ، خلافا للمبرّد . وزعم ابن عطية أنّ مفعول « أسرى » محذوف ، وأن التعدية بالهمزة ؛ فقال : « ويظهر أنّ » « أسرى » معدّاة بالهمزة إلى مفعول محذوف ، أي : أسرى الملائكة بعبده ؛ لأنه يقلق أن يسند « أسرى » وهو بمعنى « سرى » إلى اللّه تعالى ؛ إذ هو فعل يقتضي النّقلة ؛ ك « مشى ، وجرى ، وأحضر ، وانتقل » فلا يحسن إسناد شيء من هذا مع وجود مندوحة عنه ، فإذا وقع في الشريعة شيء من ذلك ، تأوّلناه ؛ نحو : أتيته هرولة » . وهذا كلّه إنما بناه ؛ اعتقادا على أن التعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك ، وتقدّم الردّ على هذا المذهب في أوّل البقرة في قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ
[ آية : 20 ] . ثم جوّز أن يكون « أسرى » بمعنى « سرى » على حذف مضاف ؛ كقوله :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[ البقرة : 17 ] يعني : فيكون التقدير : الذي أسرى ملائكته بعبده ، والحامل له على ذلك ما تقدّم من اعتقاد المصاحبة . والعبد هو محمد صلى اللّه عليه وسلّم . قوله : « ليلا » منصوب على الظرف ، وقد تقدم فائدة تنكيره . و
« مِنَ الْمَسْجِدِ »
« من » لابتداء الغاية .

فصل في وقت الإسراء

قال مقاتل : « كان قبل الهجرة بستّة عشر شهرا » « 1 » ، ونقل الزمخشري عن أنس والحسين : كان قبل البعثة ، واختلفوا في المكان الذي أسري به منه ، فقيل : هو المسجد الحرام بعينه ؛ لظاهر القرآن ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - : « بينا أنا في المسجد الحرام عند البيت بين النّائم واليقظان ، إذ أتاني جبريل عليه السلام بالبراق » « 2 » . وقيل : أسري به من دار « 3 » أمّ هانىء بنت أبي طالب « 4 » ، وعلى هذا ، فالمراد بالمسجد الحرام الحرم .
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 92 ) ولكن قال : بسنة . ( 2 ) أخرجه البخاري في « صحيحه » ( 3887 ) . ( 3 ) في أ : بيت . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 4 ) عن أم هانىء . وأخرجه الطبري وابن مردويه كما في « الدر المنثور » ( 4 / 274 ) عنها بلفظ آخر .