تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
قوله : « لأنعمه » يجوز تعلقه ب « شاكرا » أو ب « اجتباه » ، و « اجتباه » إما حال وإما خبر آخر ل « كان » و « إلى صراط » يجوز تعلقه ب « اجتباه » وب « هداه » على [ قاعدة ] « 1 » التنازع . فإن قيل : لفظ الأنعم جمع قلّة ، ونعم اللّه على إبراهيم - صلوات اللّه وسلامه عليه - كانت كثيرة فلم قال : « شاكرا لأنعمه » ؟ . فالجواب : أنه كان شاكرا لجميع نعم اللّه سبحانه وتعالى القليلة ، فكيف الكثيرة ؟ . ومعنى « اجتباه » : اختاره واصطفاه للنبوة ، والاجتباء : هو أن يأخذ الشيء بالكليّة ، وهو « افتعال » من « جبيت » وأصله جمع الماء في الحوض ، والجابية هي الحوض ،
وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
إلى دين الحقّ .
وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
يعني : الرّسالة والخلّة . وقيل : لسان صدق ، وقال مقاتل بن حيان : هو قول المصلي : اللّهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على إبراهيم . وقال قتادة - رضي اللّه عنه - إن اللّه حبّبه إلى كل الخلق « 2 » . وقيل : أولادا أبرارا على الكبر .
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
: في أعلى مقامات الصّالحين في الجنة « 3 » . قوله - تعالى - :
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
الآية . لما وصف إبراهيم - صلوات اللّه وسلامه عليه - بهذه الصّفات العالية الشريفة ، قال - جل ذكره -
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
. قال الزمخشري في « ثمّ » هذه : إنها تدلّ على تعظيم منزلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وإجلال محله ، والإيذان بأن الشّرف ما أوتي خليل الرحمن من الكرامة ، وأجل ما أولي من النّعمة : اتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ملّته ، من قبل أنّها دلت على تباعد هذا النّعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى اللّه - سبحانه وتعالى - عليه بها . قوله تعالى :
أَنِ اتَّبِعْ
يجوز أن تكون المفسرة ، وأن تكون المصدرية ، فتكون مع منصوبها مفعول الإيحاء . قوله تعالى : « حنيفا » حال ، وتقدم تحقيقه في البقرة [ الآية : 135 ] . وقال ابن عطية « 4 » : قال مكّي : ولا يكون - يعني : « حنيفا » - حالا من « إبراهيم » عليه السلام ؛ لأنه مضاف إليه . وليس كما قال ؛ لأن الحال قد يعمل فيها حروف الجرّ ، إذا عملت في ذي الحال ؛ كقولك : مررت به قائما .
هامش
( 1 ) في أ : طريقة . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 189 ) . ( 3 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 20 / 108 ) . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 431 .