تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
- صلوات اللّه وسلامه عليه - باتّباع إبراهيم صلى اللّه عليه وسلّم ، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه ؛ فقال - عز وجل - :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
. يجوز أن يكون مفعول « ادع » مرادا ، أي : ادع النّاس ، وألّا يكون مرادا ، أي : افعل ، و « بالحكمة » حال ، أي : ملتبسا بها . واعلم أنه - تعالى - أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أن يدعو النّاس بأحد هذه الطرق الثلاثة ، وهي :
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
، والمجادلة بالطريق الأحسن ، وذكر - تعالى - هذا الجدل في آية أخرى ، فقال - تعالى - :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
ولمّا ذكر اللّه - تعالى - هذه الطرق الثلاثة ، وعطف - تعالى - بعضها على بعض وجب أن تكون طرقا متغايرة . واعلم أن الدّعوة إلى المذاهب لا بد وأن تكون مبنيّة على حجة وبينة ، والمقصود من ذكر تلك الحجة : إما تقرير ذلك المذهب ، وذلك على قسمين : لأن تلك الحجة إما أن تكون حجة قطعية مبرّأة عن احتمال النقيض ، أو لا تكون كذلك ، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر ، والإقناع الكامل ، فظهر بهذا التقسيم انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة : أولها : الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينيّة ، وذلك هو المسمّى بالحكمة . وثانيها : الأمارات الظنية ، والدلائل الإقناعية ، وهي الموعظة الحسنة . وثالثها : الدلائل التي يكون المقصود منها : إلزام الخصوم وإقحامهم ، وذلك هو الجدل ، ثم هذا الجدل على قسمين : أحدهما : أن يكون دليلا مركبا من مقدّمات مسلمة عند الجمهور ، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك الخصم ، وهذا هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن . والقسم الثاني : أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات فاسدة باطلة ، إلّا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين ، بالسّفاهة والشّغب ، والحيل الباطلة ، والطرق الفاسدة ، وهذا القسم لا يليق بأهل [ الفضل ] « 1 » ، إنما اللائق بهم القسم الأول ، وهو المراد بقوله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
.

فصل [ في معنى قوله : « بالحكمة والموعظة الحسنة » ]

قال المفسرون : قوله : « بالحكمة » أي : بالقرآن ،
« وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ »
يعني : مواعظ القرآن . وقيل
« الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ »
هو الدعاء إلى اللّه - تعالى - بالتّرغيب والتّرهيب ، وقيل : بالقول اللّين من غير غلظ ولا تعنيف .
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
ناظرهم بالخصومة ، « التي
هِيَ أَحْسَنُ »
أي : أعرض عن
هامش
( 1 ) في أ : العقل .