تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
يعرّف اللّه - تعالى - عباده نعمه ، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته . واحتجّوا بقول جابر - رضي اللّه عنه - : « نهى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخّص في لحوم الخيل » « 1 » . ولمّا ذكر - تعالى - أصناف الحيوانات المنتفع بها ، ذكر بعده الأشياء التي لا ينتفع غالبا بها فذكرها على سبيل الإجمال . فقال سبحانه وتعالى :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
وذلك لأنّ أنواعها وأصنافها خارجة عن الإحصاء ؛ فذكر ذلك على سبيل الإجمال . وروى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : « إنّ عن يمين العرش نهرا من نور مثل السّموات السّبع والبحار السّبعة والأرضين السبع يدخل فيه جبريل - عليه الصلاة والسلام - كلّ سحر فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله ، ثمّ ينتفض فيخلق اللّه - سبحانه وتعالى - من كلّ نقطة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك ، يدخل منهم كلّ يوم سبعون ألفا البيت المعمور ، وفي الكعبة أيضا سبعون ألفا لا يعودون إلى يوم القيامة » « 2 » . قوله :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
الآية والمعنى : إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحتها ؛ إزاحة للعذر ؛ وإزالة للعلّة
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
[ الأنفال : 42 ] . قوله :
وَمِنْها جائِرٌ
الضمير يعود على السبيل ؛ لأنّها تؤنث
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي
[ يوسف : 108 ] أو لأنّها في معنى سبل ، فأنّث على معنى الجمع ، والقصد مصدر يوصف به فهو بمعنى قاصد ، يقال : سبيل قصد وقاصد ، أي : مستقيم ، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه . وقيل : الضمير يعود على الخلائق ؛ ويؤيده قراءة « 3 » عيسى ، وما في مصحف عبد اللّه : « ومنكم جائر » ، وقراءة « 4 » عليّ : « فمنكم جائر » بالفاء . وقيل : « أل » في « السّبيل » للعهد ؛ وعلى هذا يعود الضمير على السبيل التي تتضمنها معنى الآية ؛ لأنّه قيل : ومن السبيل فأعاد عليها ، وإن لم يجر له ذكر ؛ لأنّ مقابلها يدلّ عليها ، وأما إذا كانت « أل » للجنس فيعود على لفظها .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 9 / 565 ) كتاب الذبائح والصيد : باب لحوم الخيل ( 5520 ) ومسلم ( 15413 ) كتاب الصيد والذبائح : باب في أكل لحوم الخيل حديث ( 36 / 1941 ) وأبو داود ( 3788 ) والدارمي ( 2 / 87 ) والبيهقي ( 9 / 326 - 327 ) وأحمد ( 3 / 361 ) والطحاوي ( 2 / 318 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 6 / 47 ) من طرق عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر به . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 19 / 184 ) . ( 3 ) ينظر : البحر 5 / 463 ، والدر 4 / 315 . ( 4 ) ينظر : السابق .