تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
ولما أمر رسوله - صلوات اللّه وسلامه عليه - بالاستعاذة من الشيطان ، وكان ذلك يوهم أنّ للشيطان قدرة على التصرّف في أبدان النّاس ، فأزال اللّه تعالى هذا الوهم وبيّن أنّه لا قدرة له ألبتّة على الوسوسة ؛ فقال - تعالى - :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
ويظهر من هذا أنّ الاستعاذة إنما تفيد إذا حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفا ، وأنّه لا يمكنه التحفّظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة اللّه - تعالى - ، ولهذا المعنى قال المحقّقون : لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه تعالى ، ولا قوّة على طاعة اللّه إلا بتوفيق اللّه ، والتّفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله :
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
، والاستعاذة باللّه هي الاعتصام به . ثم قال :
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : « يطيعونه ، يقال : توليته ، أي : أطعته ، وتولّيت عنه ، أي : أعرضت عنه . قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
الضمير في « به » الظاهر عوده على الشيطان ، لتتحد الضمائر ، والمعنى : والذين هم به مشركون بسببه ؛ كما تقول للرجل إذا تكلّم بكلمة مؤدّية إلى الكفر : كفرت بهذه الكلمة ، أي : من أجلها ؛ فكذلك قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
والمعنى : من أجل حمله إيّاهم على الشّرك صاروا مشركين . وقيل : والذين هم بإشراكهم إبليس مشركون باللّه ، ويجوز أن يعود على « ربّهم » . قوله :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
اعلم أنه - سبحانه جل ذكره - شرع في حكاية شبهات منكري نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلّم . قال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : كان المشركون إذا نزلت آية فيها شدّة ، ثم نزلت آية ألين منها يقولون : إن محمّدا يسخر بأصحابه ؛ يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ، ما هو إلا مفتر يتقوّله من تلقاء نفسه ، فأنزل اللّه - تعالى - :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
« 1 » والتّبديل : رفع الشيء مع وضع غيره مكانه ، وهو هنا النسخ . قوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما
ينزك‌في هذه الجملة وجهان : أظهرهما : أنها اعتراض بين الشرط وجوابه . والثاني : أنّها حاليّة ؛ فعلى الأول يكون المعنى : واللّه أعلم بما ينزّل من الناسخ والمنسوخ ، والتغليظ والتخفيف ، أي : هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد ، وهذا توبيخ للكفار على قولهم :
« إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ »
، أي : إذا كان هو أعلم بما ينزّل ، فما بالهم ينسبون محمدا إلى الافتراء ؛ لأجل التّبديل والنسخ ، وقوله :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أي : لا يعلمون حقيقة القرآن ، وفائدة النسخ والتبديل ، وأن ذلك لمصالح العباد ، وقولهم :
« إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ »
نسبوا إليه صلى اللّه عليه وسلّم الافتراء بأنواع من المبالغات وهي الحصر
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 20 / 93 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 156 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب