قوله - تعالى - :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
الآية لما قال - تعالى - :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
، أرشد إلى العمل الذي به يخلّص أعماله من الوساوس ، فقال - جل ذكره - :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
أي : فإذا أردت ، فأضمر الإرادة .
قال الزمخشري : « لأنّ الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصل ، وعلى حسبه ، فكان منه بسبب قويّ وملابسة ظاهرة » .
وقال ابن عطيّة « 1 » : « فإذا » وصلة بين الكلامين ، والعرب تستعملها في هذا ، وتقدير الآية : فإذا أخذت في قراءة القرآن ، فاستعذ » .
وهذا مذهب الجمهور من القرّاء والعلماء ، وقد أخذ بظاهر الآية - فاستعاذ بعد أن قرأ - من الصحابة - أبو هريرة - رضي اللّه عنه - ، ومن الأئمة : مالك وابن سيرين وداود ، ومن القرّاء حمزة - رضي اللّه عنهم ؛ قالوا : لأنّ الفاء في قوله :
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
للتعقيب ، والفائدة فيه : أنه إذا قرأ القرآن يستحقّ به ثوابا عظيما ، فإذا لم يأت بالاستعاذة ، وقعت الوسوسة في قلبه ، وذلك الوسواس يحبط ثواب القراءة ، فإذا استعاذ بعد القراءة ، اندفعت تلك الوساوس ، وبقي الثّواب مصونا عن الانحطاط .
وذهب الأكثرون : إلى أنّ الاستعاذة مقدمة على القراءة ، والمعنى : إذا أردت أن تقرأ القرآن ، فاستعذ ؛ كقوله : إذا أكلت ، فقل : بسم اللّه ، وإذا سافرت ، فتأهّب ، وقوله - تعالى - :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[ المائدة : 6 ] ، وأيضا : قد ثبت أن الشّيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة الرّسول - صلى اللّه عليه وسلّم - ؛ بدليل قوله - عز وجل - :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
[ الحج : 52 ] ، ومن الظاهر أنه - تعالى - إنما أمر الرّسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - بالاستعاذة عند القراءة ؛ لدفع تلك الوساوس ، وهذا المقصود إنّما يحصل عند تقديم الاستعاذة .
وذهب عطاء إلى أنّ الاستعاذة واجبة عند قراءة القرآن ، كانت في الصّلاة أو غيرها .
ولا خلاف بين العلماء في أن التّعوذ قبل القراءة في الصّلاة أوكد .
واعلم أنّ هذا الخطاب للرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - ، والمراد منه الكلّ ؛ لأن الرّسول - عليه الصلاة والسلام - إذا كان محتاجا للاستعاذة عند القراءة ، فغيره أولى ، والمراد بالشيطان في هذه الآية : قيل : إبليس ، وقيل : الجنس ؛ لأنّ جميع المردة لهم حظّ في الوسوسة .
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 420 .