تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وهذا نوع آخر من التّهديد ، والأمة عبارة عن القرن والجماعة ، والمراد أن كلّ نبيّ شاهد على أمّته ؛ لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم من أنفسهم لا من غيرهم . وقيل : المراد أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا ، فلا بدّ وأن يحصل فيهم واحد يكون شهيدا عليهم ، أمّا الشّهيد على الذين كانوا في عصر الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - فهو الرسول ؛ لقوله - تعالى - :
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
وقوله :
وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ
. وقال الأصم : المراد بالشّهيد هو أنّه - تعالى - ينطق عشرة من أعضاء الإنسان تشهد عليه ، وهي : الأذنان ، والعينان ، والرجلان ، واليدان ، والجلد واللسان . قال : والدّليل عليه أنه قال في صفة الشّهيد أنّه من أنفسهم ، وهذه الأعضاء لا شكّ أنها من أنفسهم . وأجاب القاضي عنه : بأنه - تعالى - قال :
شَهِيداً عَلَيْهِمْ
، أي : على الأمّة ، فيجب أن يكون غيرهم ، وأيضا قال : « من كل أمة » فيجب أن يكون ذلك الشّهيد من الأمّة ، وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها أنها من الأمة ، وأما حمل الشهداء على الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - فبعيد ؛ لأن كونهم مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضّرورة ، فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه . قوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً
يجوز أن يكون « تبيانا » في موضع الحال ، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله ، وهو مصدر ولم يجئ من المصادر على هذه الزّنة إلا لفظتان : هذا والتّلقاء ، وفي الأسماء كثيرا ، نحو « التّمساح والتّمثال » وأما المصادر فقياسها فتح الأول ؛ دلالة على التكثير ك « التّطواف » و « التّجوال » . وقال ابن عطية : إنّ « التّبيان » اسم وليس بمصدر والنحويّون على خلافه . قال شهاب الدّين « 1 » - رحمه اللّه - : وقد روى الواحديّ بإسناده ، عن الزجاج أنه قال : « التّبيان » اسم في معنى البيان . وجه تعلّق هذا الكلام بما قبله : أنه - تعالى - قال :
وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ
، أي : أنه أزاح علتهم فيما كلّفوا ، فلا حجّة لهم ولا معذرة . وقال نفاة القياس : دلّت هذه الآية على أنّ القرآن تبيان لكل شيء ، والعلوم إمّا دينية ، أو غير دينية ، فالتي ليست دينية ، لا تعلّق لها بهذه الآية ؛ لأنّا نعلم بالضرورة أنه تعالى إنما مدح القرآن بكونه مشتملا على علوم الدين ، وأمّا غير ذلك ، فلا التفات إليه ، وأما علوم الدّين : فإمّا الأصول ، وإما الفروع .
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 4 / 354 .