تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
« أخرجكم » وهذا يقتضي أن يكون جعل السّمع والبصر متأخّرا عن الإخراج من البطن ؛ وليس كذلك . فالجواب : أنّ حرف الواو لا يوجب التّرتيب ، وأيضا إذا حملنا السمع على الإسماع والبصر على الرؤية ، زال السؤال ، هذا إذا جعلنا قوله - تعالى - : « وجعل » معطوفا على « أخرجكم » فيكون داخلا فيما أخبر به عن المبتدأ ويجوز أن يكون مستأنفا .

فصل [ في معنى الآية ]

قيل : معنى الكلام : لا تعلمون شيئا ممّا أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم ، وقيل : لا تعلمون شيئا ممّا قضى عليكم به من السّعادة والشقاوة ، وقيل : لا تعلمون شيئا ، أي : من منافعكم . قال البغوي - رحمه اللّه - : « تمّ الكلام عند قوله - تعالى - :
لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
ثمّ ابتدأ فقال :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
؛ لأنّ اللّه - تعالى - جعل هذه الأشياء لهم قبل الخروج من بطون الأمّهات ، وإنّما أعطاهم العلم بعد الخروج » . وسيأتي الكلام في حكمة ذكره السمع بلفظ المصدر ، والأبصار والأفئدة بلفظ الاسم في سورة السّجدة إن شاء اللّه - تعالى - . وقوله - تعالى - :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
، أي لتسمعوا به الأمر والنهي ، « والأبصار » أي : لتبصروا بها آثار منفعة اللّه ، « والأفئدة » لتصلوا بها إلى معرفته - سبحانه وتعالى - وقوله : و
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
، أي : نعمه . قوله - تعالى - :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ
الآية هذا دليل آخر على كمال قدرة اللّه وحكمته . قرأ ابن عامر « 1 » وحمزة والكسائي : « ألم تروا » بالتاء من فوق ، والباقون : بالياء على الحكاية لمن تقدّم ذكره من الكفّار . قوله :
ما يُمْسِكُهُنَّ
يجوز أن تكون الجملة حالا من الضمير المستتر في « مسخّرات » ، ويجوز أن تكون حالا من الطير ، ويجوز أن تكون مستأنفة . ومعنى « مسخّرات » : مذللات ،
« فِي جَوِّ السَّماءِ »
وهو الهواء بين السّماء والأرض ؛ قال : [ الطويل ]
3351 - فلست لإنسيّ ولكن لملأك * تنزّل من جوّ السّماء يصوب « 2 »
وقيل : الجوّ ما يلي الأرض في سمت العلوّ واللوح والسّكاك أبعد منه .
هامش
( 1 ) ينظر : الحجة 393 ، والإتحاف 2 / 187 ، والنشر 2 / 304 ، والقرطبي 10 / 100 ، والبحر 5 / 506 . ( 2 ) تقدم .