تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
« أمّهاتكم » : إمّاتكم ، إلا أنه زيدت الهاء فيه كما زيدت في « أراق » فقيل : أهراق ، وشدّت زيادتها في الواحدة في قوله : [ الرجز ]
3350 - أمّهتي خندف والياس أبي « 1 »
والجملة من قوله :
لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
حال من مفعول « أخرجكم » غير عالمين و « شيئا » إمّا مصدر ، شيئا ، من العلم ، وإمّا مفعول به والعلم هنا العرفان ، وتقدّم الكلام في « أمّهاتكم » في النّساء .

فصل [ : خلق الإنسان في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء ]

خلق الإنسان في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء . ثم قال - تعالى - :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
والمعنى : أن النّفس الإنسانية كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم ثم إن اللّه تعالى أعطاها هذه الحواس ؛ لتستفيد بها المعارف والعلوم ، وتحقيق الكلام فيه أن يقال : التّصوّرات والتّصديقات إمّا أن تكون كسبيّة أو بديهيّة ؛ والكسبيّة لا يمكن حصولها إلا بواسطة تركيبات البديهيّات ، فلا بد من سبق العلوم البديهيّة . فإن قيل : هذه العلوم البديهيّة إمّا أن يقال : كانت حاصلة منذ خلقنا ، أو ما كانت حاصلة ؛ والأول باطل ؛ لأنا بالضرورة نعلم أنّا حين كنّا جنينا في رحم الأمّ ما كنّا نعرف أن النّفي والإثبات لا يجتمعان ، وما كنّا نعرف أن الكلّ أعظم من الجزء . وأما القسم الثاني : فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنّها ما كانت حاصلة ، وحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب ، وكلّ ما كان كسبا فهو مسبوق بعلوم أخرى إلى غير نهاية ، وذلك محال . فالجواب : أن هذه العلوم البديهيّة ما كانت حاصلة في نفوسنا أولا ، ثم إنها حدثت ، وحصلت ، أما قوله : فيلزم أن تكون كسبية ، فهذه المقدمة ممنوعة ، بل نقول : إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها ، بواسطة إعانة الحواسّ التي هي السّمع والبصر ، فإن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم ، إلا أنّه تعالى خلق السمع والبصر فإذا أبصر الطفل شيئا أو سمعه مرة بعد أخرى ، ارتسم في خياله ماهيّة ذلك المبصر والمسموع ؛ وكذلك القول في سائر الحواسّ ، فيصير حصول الحواسّ سببا لحضور ماهيّات المحسوسات في النّفس والعقل .
هامش
( 1 ) البيت لقصي بن كلاب وتمامه : عند تناديهم بهال وهبي . ينظر : جمهرة اللغة 3 / 267 ، شواهد العيني 4 / 565 ، الخزانة 3 / 306 ، اللسان ( أمم ) ، الأمالي 2 / 301 ، المحتسب 2 / 224 ، الممتع 1 / 217 ، سر صناعة الإعراب 2 / 564 ، الرازي 20 / 91 ، شرح شواهد الشافية 301 ، التصريح 2 / 362 ، الهمع 1 / 23 ، الدرر 1 / 5 .