تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ثم إنّ تلك الماهيّات على قسمين : أحدهما : ما يكون حضوره موجبا تاما في جرم الذّهن ، بإسناد بعضها إلى بعض بالنّفي أو الإثبات ، مثل أنه إذا حضر في الذّهن أن الواحد ما هو ؟ وأن نصف الاثنين ما هو ؟ كان حضور هذين التّصوّرين في الذّهن علّة تامة في جرم الذّهن ؛ بأنّ الواحد محكوم عليه بأنّه نصف الاثنين ، وهذا القسم هو العلوم البديهيّة . والقسم الثاني : ما لا يكون كذلك ، وهو العلوم النّظريّة ؛ مثل أنّه إذا حضر في الذّهن بأنّ الجسم ما هو ؟ والمحدث ما هو ؟ فإن مجرّد هذين التصوّرين في الذّهن لا يكفي في جزم الذهن بأنّ الجسم محدث ، بل لا بدّ فيه من [ دليل ] « 1 » منفصل وعلوم سابقة . والحاصل أن العلوم الكسبيّة إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهيّة ، وحدوث العلوم البديهيّة إنما تكون عند حدوث تصوّر موضوعاتها ، وتصوّر محمولاتها ، وحدوث التّصورات إنّما كان بسبب إعانة هذه الحواس على إحداثها ؛ فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النّفوس والعقول هو أنّه - تعالى - أعطى هذه الحواس . فلهذا قال - تعالى - :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
ليصير حصول هذه الحواس سببا لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطّريق المذكور . وقال المفسرون :
« وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ »
لتسمعوا مواعظ اللّه تعالى ، « والأبصار » لتبصروا دلائل [ آلاء ] « 2 » اللّه ، « والأفئدة » لتعقلوا عظمة اللّه . و « الأفئدة » جمع فؤاد ؛ نحو : أغربة وغراب ، قال الزجاج : ولم يجمع « فؤاد » على أكثر العدد ، وما قيل : « فئدان » كما قيل : « غراب وغربان » . ولعلّ الفؤاد إنّما جمع على جمع القلّة ؛ تنبيها على أنّ السّمع والبصر كثيران ، وأن الفؤاد قليل ؛ لأن الفؤاد إنّما خلق للمعارف الحقيقيّة ، والعلوم اليقينيّة ، وأكثر الخلق ليسوا كذلك ، بل يكونوا مشغولين بالأفعال البهيميّة والصّفات السبعية ، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد ؛ فلهذا جمع جمع القلّة قاله ابن الخطيب . وقال الزمخشري - رحمه اللّه تعالى - : إنّه من الجموع التي استعملت للقلّة والكثرة ، ولم يسمع فيها غير القلّة ، نحو : « شسوع » ، فإنّها للكثرة ، وتستعمل في القلّة ، ولم يسمع غير شسوع . كذا قال وفيه نظر فقد سمع فيهم « أشساع » فكان ينبغي أن يقال : غلب « شسوع » . فإن قيل : قوله - عز وجل - :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
، عطف على قوله :
هامش
( 1 ) في ب : ضمير . ( 2 ) زيادة من : ب .