تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
مختارا حكيما فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع على إثبات هذا المقصود . اعلم أنه - تعالى - قال :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
يقال : وحى وأوحى وهو هنا الإلهام ، والمعنى : أنّه - تعالى - قرّر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر ، وبيانه من وجوه : الأول : أنها تبني البيوت مسدّسة من أضلاع متساوية ، لا يزيد بعضها على بعض بمجرّد طبائعها ، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل : المسطرة والبيكار . الثاني : أنه ثبت في الهندسة أنّ تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدّسات ، فإنه يبقى بالضّرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائقة أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة ، فإنه لا يبقى فيها فرج خالية ضائقة فاهتداء ذلك الحيوان الضّعيف إلى تلك الحكمة الخفيّة الدّقيقة اللّطيفة من الأعاجيب . الثالث : أن النّحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرّئيس للبقيّة ، وذلك الواحد يكون أعظم جثّة من الباقي ، ويكون نافذ الحكم على البقيّة وهم يخدمونه ويحملونه عند تعبه ، وذلك أيضا من الأعاجيب . الرابع : أنها إذا نفرت وذهبت من وكرها مع الجماعة إلى موضع آخر ، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ، ضربوا الطبول وآلات الموسيقى ، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردّها إلى أوكارها ، وهذه أيضا حالة عجيبة ، فلمّا امتاز هذا الحيوان بهذه الخواصّ العجيبة الدالّة على مزيد الذّكاء والكياسة ، ليس إلا على سبيل الإلهام ، وهي حالة شبيهة بالوحي ، لا جرم قال - سبحانه وتعالى - في حقّها :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
.

فصل [ في معنى الوحي ]

قال أبو العباس أحمد بن علي المقري - رحمه اللّه - : الوحي يرد على ستّة أوجه : الأول : الرّسالة ؛ قال - تعالى - :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
[ النساء : 163 ] ، أي : أرسلنا إليك . الثاني : الإلهام ؛ قال - تعالى - :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[ النحل : 68 ] . الثالث : الإيماء ، قال - تعالى - :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا
[ مريم : 11 ] أي : أومأ إليهم . الرابع : الكتابة ، قال - تعالى - :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ
[ الأنعام : 121 ] أي : يكتبون إليهم . الخامس : الأمر ، قال - تعالى - :
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
[ الزلزلة : 5 ] ، أي : أمرها . السادس : الخلق ، قال - تعالى - :
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[ فصلت : 12 ] ، أي : خلق .