تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
الصلاة والسلام - حين هدّده
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
[ الشعراء : 29 ] وأيضا : لما شاهدت من يوسف أنه استعصم ، مع أنه كان في عنفوان العمر ، وكمال القوة ، ونهاية الشهوة ، وعظم اعتقادها في طهارته ، ونزاهته ، فاستحيت أن تقول : إنّ يوسف قصدني بالسّوء ، ولم تجد من نفسها أن ترميه بالكذب ، وهؤلاء نسبوا إليه هذا الذّنب القبيح . وأيضا : يوسف - عليه الصلاة والسلام - أراد أن يضربها ، ويدفعها عن نفسه [ وكان ] ذلك بالنسبة إليها « 1 » جاريا مجرى السّوء ، فقولها « 2 » ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ) له ظاهر وباطن ، باطنه أنّها التي أرادت السّوء ، وظاهره دفعه لها ومنعها ، فأرادت بقولها : ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ) فعل نفسها بقلبها ، أو في ظاهر الأمر ، أو همت أنه قصدني بما لا ينبغي ، ولما لطّخت عرض يوسف بهذا الكلام ؛ احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال : ( هي راودتني عن نفسي ) واعلم أنّ العلامات الكثيرة دالة على صدق يوسف : منها : أنّ يوسف - عليه السلام - في ظاهر الأمر كان عبدا لهم ، والعبد لا يمكنه أن يتسلط « 3 » على مولاه إلى هذه الحدّ . ومنها : أنّهم شاهدوا يوسف هاربا ليخرج ، والطالب للمرأة لا يخرج من الدّار على هذا الوجه . ومنها : أنهم رأوا المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه ، ويوسف لم يكن عليه أثر من آثار تزيين النّفس . ومنها : أنّهم كانوا شاهدوا أحوال يوسف في المدّة الطّويلة ، فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر . ومنها : أنّ المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح ، بل ذكرت كلاما مجملا ، وأما يوسف فإنّه صرّح بالأمر ، ولو كان مطاوعا لها ، ما قدر على التّصريح ، فإنّ الخائن خائف . وكلّ هذه الوجوه مما يقوّي غلبة الظن ببراءة يوسف في هذه المسألة ، ثم إنّه - تعالى - أظهر ليوسف دليلا يقوي تلك الدّلائل على براءته من الذّنب ، وأن المرأة هي المذنبة « 4 » ، وهو قوله تعالى :
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها
فقوله : « من أهلها » صفة ل : « شاهد » ، وهو المسوغ لمجيء الفاعل من لفظ الفعل ، إذ لا يجوز قام القائم ، ولا : قعد القاعد ، لعدم الفائدة . واختلفوا في ذلك الشّاهد على ثلاثة أقوال :
هامش
( 1 ) في ب : لها . ( 2 ) في ب : فقوله . ( 3 ) في أ : يشتط . ( 4 ) في ب : المزينة .