تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
بنائهما على الضم عند قطعهما عن الإضافة ، فجعلوهما غاية ، ومعنى الغاية : أن يجعل المضاف غاية نفسه ، بعد ما كان المضاف إليه غايته ، والأصل إعرابهما ؛ لأنّهما اسمان متمكنان ، وليسا بظرفين . قال أبو حاتم : وهذا رديء في العربية ، وإنما يقع هذا البناء في الظروف . وقال الزمخشري « 1 » : « والمعنى : من قبل القميص ، ومن دبره ، وأما التنكير فمعناه : من جهة يقال لها قبل ، ومن جهة يقال لها دبر » وعن ابن أبي « 2 » إسحاق : أنّه قرأ « من قبل » ، و « من دبر » بالفتح « 3 » كأنّه جعلهما علمين للجهتين ، فمنعهما الصرف للعلمية ، والتّأنيث ، وقد تقدم [ البقرة : 235 ] الخلاف في « كان » الواقعة في حيز الشرط ، هل تبقى على معناها من المضي ، وإليه ذهب المبرّد « 4 » ، أم تنقلب إلى الاستقبال كسائر الأفعال ، وأنّ المعنى على التّبيين ؟ . قوله : « فكذبت » ، و « صدقت » على إضمار « قد » ، لأنها تقرب الماضي من الحال ، هذا إذا كان الماضي متصرّفا ، فأما إذا كان جامدا ، فلا يحتاج إلى « قد » لا لفظا ، ولا تقديرا . قوله :
فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ
: أي : فلمّا رأى زوجها قميصه قدّ من دبر ؛ عرف خيانة امرأته ، وبراءة يوسف - صلوات اللّه وسلامه عليه - قال لها : « إنّه » ، أي : هذا الصّنيع ، أو قولك ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا )
مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
وقيل : هذا من قول الشاهد . فإن قيل : إنه - تعالى - قال :
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[ النساء : 28 ] فكيف وصف كيد المرأة بالعظيم ، وأيضا : فكيد الرّجال قد يزيد على كيد النّساء ؟ . فالجواب عن الأوّل : أن خلقة الإنسان بالنّسبة إلى خلقة الملائكة ، والسماوات ، والكواكب خلقة ضعيفة ، وكيد النسوان بالنسبة إلى كيد البشر عظيم ؛ ولا منافاة بين القولين ، وأيضا : فالنّساء لهنّ في هذا الباب من المكر ، والحيل ، ما لا يكون للرجال ؛ لأنّ كيدهنّ في هذا الباب ، يورث من العار ما لا يورثه كيد الرّجال . ولما ظهر للقوم براءة يوسف عن ذلك الفعل قال زوجها ليوسف :
« أَعْرِضْ عَنْ هذا »
الحديث ، فلا تذكره لأحد حتى لا ينتشر ، ولا يحصل العار العظيم وقيل : إنّه من قول الشّاهد . ثم قال للمرأة [
« وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ »
أي : إلى اللّه
إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ
وقيل هذا من قول الشاهد ] « 5 »
« وَاسْتَغْفِرِي »
، أي : اطلبي من زوجك المغفرة ، والصّفح ؛ حتّى لا يعاقبك .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 461 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 298 والدر المصون 4 / 171 . ( 3 ) قال الزجاج 3 / 103 : « والفتح أكثر في الرواية عنه ، ولا أعلم أحدا من البصريين ذكر الفتح غيره » . ( 4 ) ينظر : المقتضب 3 / 97 ، 4 / 86 ، وابن يعيش 1 / 156 ، والهمع 2 / 59 . ( 5 ) سقط من : ب .