تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
ممّا أوتي ، فقد صغّر عظيما وعظّم صغيرا » « 1 » . وتأوّل سفيان بن عيينة هذه الآية بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » أي لم يستغن « 2 » . وقال ابن [ عبّاس ] « 3 » - رضي اللّه عنهما - : « لا تمدّنّ عينيك » ، أي لا تتمنّ ما فضلنا به أحدا من متاع الدّنيا « 4 » . وقرّر الواحديّ هذا المعنى فقال : « إنّما يكون مادّا عينيه إلى الشيء ، إذا أدام النّظر نحوه ، وإدامة النّظر إلى الشّيء تدلّ على استحسانه ، وتمنّيه ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا » . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلم « نظر إلى نعم بني المصطلق ، وقد [ عبست ] « 5 » في أبوالها ، وأبعارها ؛ فتقنّع في ثوبه ؛ وقرأ هذه الآية » « 6 » . قوله : « عبست في أبوالها وأبعارها » هو أن تجف أبعارها ، وأبوالها على أفخاذها ، إذا تركت من العمل أيّام الربيع ؛ فيكثر شحومها ، ولحومها ، وهي أحسن ما تكون . قوله :
أَزْواجاً مِنْهُمْ
. قال ابن قتيبة : أي أصنافا من الكفّار ، والزّوج في اللغة : الصّنف
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
؛ لأنهم لم يؤمنوا ، فيتقوى بإسلامهم ، ثم قال عز وجل
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
. الخفض : معناه في اللغة : نقيض الرفع ، ومنه قوله تعالى في وصف القيامة
خافِضَةٌ رافِعَةٌ
[ الواقعة : 3 ] ، أي : أنّها تخفض أهل المعاصي ، وترفع أهل الطّاعة ، وجناح الإنسان : يده . قال الليث - رضي اللّه عنه - : يد الإنسان : جناحه ، قال تعالى :
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
[ القصص : 32 ] ، وخفض الجناح كناية عن اللّين ، والرّفق ، والتّواضع ، والمقصود : أنه نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار ، وأمره بالتّواضع لفقراء المؤمنين [ ونظيره ] « 7 »
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
[ المائدة : 54 ] ، وقوله :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] . قوله :
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
لما أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بالزّهد في الدنيا ، وخفض الجناح للمؤمنين ، أمره أن يقول للقوم :
أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
، وهذا يدخل تحته كونه مبلغا لجميع التّكاليف ، وكونه [ شارحا لمراتب ] « 8 » الثّواب والعقاب ، والجنّة والنّار ،
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 19 / 167 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) في أ : مسعود . ( 4 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 19 / 167 ) . ( 5 ) في ب : غرست . ( 6 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 197 ) وعزاه إلى أبي عبيد وابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير مرسلا . ( 7 ) سقط من : ب . ( 8 ) في أ : شاملا .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 489 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب