تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
قال ابن الخطيب « 1 » : « ولعلّ القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل » .
وَآتَيْناهُمْ
يعني النّاقة ، وولدها ، والبئر ، والآيات في النّاقة : خروجها من الصّخرة ، وعظم خلقها ، وظهور نتاجها عند خروجها ، وقرب ولادتها ، وغزارة لبنها ، وأضاف الإيتاء إليهم ، وإن كانت النّاقة آية صالح ؛ لأنّها آيات رسولهم ، فكانوا عنها معرضين ؛ فذلك يدلّ على أنّ النّظر ، والاستدلال واجب ، وأنّ التقليد مذموم .
وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً
تقدّم كيفيّة النّحت في الأعراف « 2 » : [ 74 ] ، وقرأ الحسن ، وأبو حيوة : بفتح الحاء . « ءامنين » من عذاب اللّه . وقيل : آمنين من الخراب ، ووقوع السّقف عليهم .
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
، أي : صيحة العذاب « مصبحين » ، أي وقت الصّبح . قوله : « فما أغنى » يجوز أن تكون نافية ، أو استفهامية فيها [ معنى ] التعجب ، وقوله : « ما كانوا » يجوز أن تكون « ما » مصدرية ، أي : كسبهم ، أو موصوفة ، أو بمعنى « الّذي » ، والعائد محذوف ، أي : شيء يكسبونه ، أو الذي يكسبونه .

فصل [ روى البخاري ]

وروى البخاري عن ابن عمر - رضي اللّه عنه - « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لمّا نزل الحجر في غزوة تبوك ، أمرهم ألّا يشربوا من بئرها ، ولا يستقوا منها ، فقال واحد : عجنّا ، وأستقينا ، فأمرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يهريقوا ذلك الماء ، وأن يطرحوا ذلك العجين » ، وفي رواية : « وأن يعلفوا الإبل العجين » « 3 » . وفي هذا دليل على كراهة دخول تلك المواضع ، وعلى كراهة دخول مقابر الكفار ، وعلى تحريم الانتفاع بالماء المسخوط عليه ؛ لأنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمرهم بإهراقه وطرح العجين ، وهكذا حكم الماء النّجس ، ويدلّ على أنّ ما لا يجوز استعماله من الطعام ، والشراب ، يجوز أن يعلفه البهائم . قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
الآية . لما ذكر إهلاك الكفّار ، فكأنه قيل : كيف يليق الإهلاك بالرحيم ؟ . فأجاب : بأني ما خلقت الخلق إلا ليشتغلوا بعبادي ، كما قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] فإذا تركوها ، وأعرضوا عنها ؛ وجب في الحكمة إهلاكهم ، وتطهير وجه الأرض منهم .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 163 . ( 2 ) ينظر : الإتحاف 2 / 179 ، والبحر المحيط 5 / 451 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 6 / 478 ) كتاب أحاديث الأنبياء حديث ( 3380 ) .