تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
قوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
اعلم أن إبليس لما قال
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
أو هم أنّ له سلطانا على غير المخلصين ، فبيّن اللّه - تعالى - في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد اللّه سواء كان مخلصا أو غير مخلص ، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره ؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ
[ إبراهيم : 22 ] ، وقوله تعالى :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
[ النحل : 99 ، 100 ] فعلى هذا يكون استثناء منقطعا . قال الجبائيّ : « هذه الآية تدلّ على بطلان قول من زعم أنّ الشيطان ، والجنّ يمكنهم صرع الناس ، وإزالة عقولهم » . وقيل : الاستثناء متصل ؛ لأنّ المراد ب « عبادي » العموم ، طائعهم ، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلّ . وأراد بالعباد الخلّص ؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريف ، فلم يندرج فيه الغاوون ؛ للضمير في موعدهم . قال القرطبي « 1 » : « قال العلماء في معنى قوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
: يعني على قلوبهم » . وقال ابن عيينة : « يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي ، أو : هم الذين هداهم اللّه ، واجتباهم ، واختارهم ، واصطفاهم » . فإن قيل : قد أخبر اللّه تعالى ، عن آدم ، وحواء - صلوات اللّه وسلامه عليهما - بقوله :
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ
[ البقرة : 36 ] وعن جملة من أصحاب نبيّه
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
[ آل عمران : 155 ] . فالجواب : أنه ليس له سلطان على قلوبهم ، ولا موضع إيمانهم ، ولا يلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم العفو ، بل يزيله بالتوبة ، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة . وأما أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقد مضى القول عليه في « آل عمران » ، ثم إنّ قوله تعالى :
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
يحتمل أن يكون حاصلا فيمن حفظ اللّه ، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات ، وقد يكون في تسليطه تفريج كربه ، وإزالة غمه ؛ كما فعل ببلال ، إذ أتاه يهديه ، كما يهدّى الصبيّ حتى نام ، ونام النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس ، وفزعوا ، وقالوا : ما كفّارة ما صنعنا في تفريطنا في صلاتنا ؟ فقال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم « ليس في النّوم تفريط » ؛ ففرّج عنهم .
هامش
( 1 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 10 / 20 .