تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
من غير أن يعذب ، فإذا جاء ذلك اليوم ، عذّب عذابا [ ينسى ] « 1 » اللعن معه ، فيصير اللّعن حينئذ كالزائل ؛ بسبب أنّ شدّة العذاب تذهل عنه . قوله :
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
وهذا متعلق بما تقدم ، والتقدير : إذا جعلتني رجيما إلى يوم القيامة ؛ فأنظرني ، أراد ألّا يموت ، والمراد من قوله :
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
، يوم البعث ، والنّشور ، وهو يوم القيامة ؛ فقال تعالى :
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
قيل : وقت النفخة الأولى حين يموت الخلائق ؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه . وقيل : سمّي معلوما ؛ لأنه لا يعلمه إلا اللّه تعالى ؛ لقوله - عز وجل - :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
[ لقمان : 34 ] . وقيل : يوم الوقت المعلوم : يوم القيامة . فإن قيل : لمّا أجابه اللّه إلى مطلوبه لزم ألّا يموت إلى وقت قيام القيامة ، [ و ] وقت قيام القيامة لا موت ، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب : يحمل قوله
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
: إلى ما يكون قريبا منه ، و [ الوقت ] « 2 » الذي يموت فيه كلّ المكلفين قريب من يوم البعث . وقيل :
يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
لا يعلمه إلا اللّه . قيل : لم تكن إجابة اللّه - تعالى - له في الإمهال ، إكراما له ، بل كان زيادة في بلائه وشقائه . قوله :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
الباء للقسم ، و « ما » مصدرية ، وجواب القسم
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ
والمعنى : أقسم بإغوائك إيايّ ، لأزينن ؛ كقوله :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
إلّا أنه - في هذا الموضع - أقسم بعزة اللّه - تعالى - وهي من صفات الذات ، وفي قوله :
بِما أَغْوَيْتَنِي
، أقسم بإغواء اللّه ، وهو من صفات الأفعال ، والفقهاء قالوا : القسم بصفات الذّات صحيح ، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال . ونقل الواحديّ - هنا - عن بعضهم : أنّ الباء - هاهنا - سببية ، أي : بسبب كوني غاويا ، لأزيننّ ؛ كقول القائل : « أقسم فلان بمعصيته ، ليدخلنّ النّار ، وبطاعته ليدخلنّ الجنّة » . ومعنى :
أَغْوَيْتَنِي
: أضللتني ، وقيل : خيّبتني من رحمتك ،
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
حبّ الدنيا ، ومعاصيك . والضمير في : « لهم » لذرية آدم - عليه السلام - وإن لم يجر لهم ذكر ؛ للعلم بهم . و « لأغوينّهم » : لأضلّنّهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين قرأ « 3 » ابن كثير ،
هامش
( 1 ) في ب : يقتضي . ( 2 ) سقط في : ب . ( 3 ) ينظر : القرطبي 20 / 20 .