تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
السجود على الملائكة ؛ لأنه مذكور بفاء التّعقيب ؛ وذلك يمنع التّراخي . قوله « أجمعون » تأكيد ثان ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت ؛ خلافا لبعضهم . وقال سيبويه : قوله :
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
« توكيد بعد توكيد » . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال : لو قال « فسجد الملائكة » احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال : كلّهم زال هذا الاحتمال ، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ، ثم بعد هذا بقي احتمال « 1 » وهو أنّهم : هل سجدوا دفعة واحدة ؟ أو سجد كل واحد في وقت ؟ . فلما قال : أجمعون ظهر أن الكلّ سجدوا دفعة واحدة . ولما حكى الزجاج هذا القول ، عن المبرد ، قال : « وقول الخليل ، وسيبويه أجود ؛ لأن « أجمعين » معرفة ؛ فلا يكون حالا » . قال أبو البقاء : « لكان حالا لا توكيدا » . يعني : أنّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيد ؛ وفيه نظر ؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى ، ألا ترى أنه يجوز : « جاؤوني جميعا » مع إفادته ، وقد تقدم تحرير هذا [ البقرة : 38 ] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم . قوله :
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
تقدّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة . قال القرطبيّ « 2 » - رحمه اللّه - : « الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي - رضي اللّه عنه - ، حتّى ولو قال له : عليّ دينار إلا ثوبا ، أو عشرة أثواب ، إلّا قفيز حنطة ، وما جانس ذلك يكون مقبولا ، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوب ، والحنطة ويستوي في ذلك : المكيلات ، والموزونات ، والمقدّرات » . وقال مالك ، وأبو حنيفة - رضي اللّه عنهما - : استثناء المكيل من الموزون ، والموزون من المكيل جائز ؛ حتى لو استثنى الدّراهم من الحنطة ، والحنطة من الدراهم ، قبل ، أمّا إذا استثنى المقوّمات من المكيلات ، أو الموزونات ، والمكيلات من المقومات ؛ فلا يصحّ ؛ مثل أن يقول : له عشرة دنانير إلّا ثوبا ، أو عشرة أثواب إلّا دينارا ، فيلزم المقرّ جميع المبلغ . قوله تعالى :
أَبى أَنْ يَكُونَ
، استئناف ؛ وتقديره : أنّ قائلا قال : هلّا سجد ؟ فقيل : أبى ذلك ، واستكبر عنه . قوله تعالى :
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
قال بعض المتكلمين : إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس ، على لسان بعض رسله ؛ وهذا ضعيف ؛ لأنّ إبليس قال في الجواب : « لم أكن لأسجد لبشر خلقته » ، فقوله : « خلقته » خطاب الحضور ، لا خطاب الغيبة ؛ فظاهره يقتضي أنّ اللّه تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة .
هامش
( 1 ) سقط من : ب . ( 2 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 10 / 18 .