تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
اللّه - تعالى - أكمل عقله وجعله صالحا لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى - عليه الصلاة والسلام - حين قالوا :
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
[ مريم : 29 ] فأجابهم بقوله :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
[ مريم : 30 ] . والقول الثاني : أن المراد بهذا الوحي : الإلهام ، كقوله
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى
[ القصص : 7 ]
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[ النحل : 68 ] . والأول أولى ؛ لأنه الظاهر من الوحي . فإن قيل : كيف يجعله نبيا في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة ؟ . فالجواب : لا يمتنع أن يشرفه اللّه - تعالى - بالوحي ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه وزوال الغم والوحشة عن قلبه والفائدة في إخفاء ذلك [ الوحي ] « 1 » عن إخوته : أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله .

فصل

إنما حملنا قوله - تبارك وتعالى -
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
بأنك يوسف ، أي : لا يعرفونك لبعد المدة وتغير الأحوال ، لأن هذا أمرا من اللّه تعالى ليوسف في أن يستر نفسه عن أبيه [ وأن لا يخبره بأحوال نفسه ، فلهذا السبب كتم أخبار نفسه عن أبيه ] « 2 » طول تلك المدة مع علمه بوجد أبيه عليه خوفا من مخالفة أمر اللّه تعالى ، فصبر على تجرع تلك المرارة ، وكان اللّه سبحانه قد قضى على يعقوب أن يوصل إليه تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليوصله إلى الدرجات العالية التي لا يمكن الوصول إليها إلا بتحصيل المحن الشديدة . قوله تعالى :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 16 إلى 18 ]

وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) قوله تعالى :
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ
الآية في « عشاء » وجهان : أصحهما : - وهو الذي لا ينبغي أن [ يقال ] « 3 » غيره - أنه ظرف ، أي : ظرف زمان أي : جاءوا في هذا الوقت . قال أهل المعاني : جاءوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب . و « يبكون » جملة حالية ، أي : جاءوه باكين . والثاني : أن يكون « عشاء » جمع عاش ، كقائم وقيام . قال أبو البقاء « 4 » : « ويقرأ بضم العين ، والأصل : عشاة ، مثل : غاز وغزاة فحذفت
هامش
( 1 ) في ب : الوقت . ( 2 ) سقط في : أ . ( 3 ) في ب : يحتال . ( 4 ) ينظر : الإملاء 2 / 50 ، وينظر في قراءتها البحر 5 / 288 ، والإتحاف 263 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 37 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب