تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
أعظم الموجبات لعذابهم ، ولا شك أنّه يعظم حسرتهم وندامتهم ولذلك قال :
هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
. قوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
الآية لما بين بطلان أعمالهم بسبب كفرهم ، وإعراضهم عن قبول الحق ، وأنّ اللّه - تعالى - لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء ، وكيف يليق بالحكمة أن يفعل ذلك واللّه تعالى ما خلق هذا العالم إلا لرعاية الحكمة والصواب . قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ
قرأ أبو عبد الرحمن رحمه اللّه تعالى « 1 » : بسكون الراء ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه أجرى الوصل مجرى الوقف . والثاني : أنّ العرب حذفت لام الكلمة عند عدم الجازم ، فقالوا : « ولو تر ما الصّبيان » فلما دخل الجازم تخيلوا أنّ الراء محل الجزم ، ونظيره « لم أبل » فإن أصله : أبالي ، ثم حذفوا لامه رفعا ، فلمّا جزموه لم يعتدوا بلامه ، وتوهموا الجزم في اللام ، والرّؤية هنا قلبية ف « أنّ » في محل المفعولين ، أو أحدهما على الخلاف . وقرأ الأخوان « 2 » هنا : ( خالق السماوات والأرض ) « خالق » اسم فاعل مضاف لما بعده فلذلك خفضوا ما عطف عليه ، وهو « الأرض » ، وفي « النور » : « خالق كلّ دابّة » [ آية : 45 ] اسم فاعل مضاف لما بعده ، والباقون : « خلق » فعلا ماضيا ، ولذلك نصبوا : « الأرض » و
كُلَّ دَابَّةٍ
[ النور : 45 ] وكسر « السّموات » في قراءة الأخوين خفض ، وفي قراءة غيرهما نصب ، ولو قيل : في قراءة الأخوين : يجوز نصب « الأرض » على أحد وجهين ، إمّا على المحل وإمّا على حذف التنوين لالتقاء الساكنين ، فتكون « السّموات » منصوبة لفظا وموضعا لم يمتنع ولكن لم يقرأ به . و « بالحقّ » متعلق به « خلق » على أنّ الباء سببيّة ، أو بمحذوف على أنّها حالية إمّا من الفاعل ، أي : محقّا ، أو من المفعول ، أي : متلبسة بالحق . قوله « بالحقّ » تقدم نظيره في يونس
ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ يونس : 5 ] أي : لم يخلق ذلك عبثا بل لغرض صحيح . ثم قال - عزّ وجلّ -
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
والمعنى : من كان قادرا على خلق السماوات والأرض بالحق ، فبأن يقدر على [ إفناء ] « 3 » قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 332 والبحر المحيط 5 / 406 والدر المصون 4 / 259 . ( 2 ) ينظر : السبعة 362 والحجة 5 / 28 وإعراب القراءات السبع 1 / 334 ، 335 وحجة القراءات 376 ، 377 والإتحاف 2 / 167 ، والمحرر الوجيز 3 / 332 والبحر المحيط 5 / 406 والدر المصون 4 / 259 . ( 3 ) في أ : قيام .