تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
كائنا من عذاب اللّه سبحانه وتعالى ، ويكون محمولا على المعنى ، تقديره : هل تمنعون عنا شيئا ؟ ويجوز أن يكون « شيء » واقعا موقع المصدر ، أي غناء ، فيكون
« مِنْ عَذابِ اللَّهِ »
متعلقا ب « مغنون » ، و « من » في
« مِنْ شَيْءٍ »
لاستغراق الجنس زائدة للتوكيد .

فصل [ في المراد ب « التبعية » ]

هذه التبعية يحتمل أن يكون المراد منها التبعية في الكفر ، ويحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا ، فعند ذلك قال الذين استكبروا للضعفاء :
« لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ »
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : معناه لو أرشدنا اللّه لأرشدناكم . قال الواحدي : معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال ؛ لأن اللّه تعالى أضلهم فلم يهدهم ، فدعوا أتباعهم إلى الضلال ، ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى . قال الزمخشري « 1 » : لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه ، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ
[ المجادلة : 18 ] . واعلم أن المعتزلة « 2 » لا يجوزون صدور الكذب على أهل القيامة ، فكان هذا القول منه مخالفا لأصول مشايخه ، فلا يقبل . وقال الزمخشري « 3 » : يجوز أن يكون المعنى : لو كنا من أهل اللطف ، فلطف بنا ربنا فهدانا إلى الإيمان لهديناكم إلى الإيمان . وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال : لا يجوز حمل هذا على اللطف ؛ لأن ذلك قد فعله اللّه تعالى . وقيل : لو خلصنا اللّه من العذاب ، وهدانا إلى طريق الجنة ، لهديناكم ؛ بدليل أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه . قوله :
سَواءٌ عَلَيْنا
إلى آخره فيه قولان : أحدهما : أنه من كلام المستكبرين . والثاني : أنه من كلام المستكبرين والضعفاء معا ، وجاءت كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كلّا من المعاني مستقل بنفسه كاف في الإخبار ، وقد تقدّم الكلام في التسوية والهمزة بعده في أول البقرة . والجزع : عدم احتمال الشدّة ، قال امرؤ القيس : [ الطويل ]
3206 - جزعت ولم أجزع من البين مجزعا * وعزّيت قلبا بالكواعب مولعا « 4 »
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 549 . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 86 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 549 . ( 4 ) ينظر : ديوانه ( 99 ) ، البحر المحيط 5 / 404 ، الدر المصون 4 / 261 .