تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
قال الزمخشريّ « 1 » : « أدخلت همزة الانكار على الظرف ؛ لأنّ الكلام ليس في الشكّ إنّما هو في المشكوك فيه ، وأنّه لا يحتمل الشّك لظهور الأدلّة ، وشهادته عليه » . قوله :
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ
اللام متعلقة بالدّعاء ، أي : لأجل غفران ذنوبكم ؛ كقوله : [ المتقارب ]
3199 - دعوت لمّا نابني مسورا * فلبّى فلبّي يدي مسور « 2 »
ويجوز أن تكون اللام معدية كقولك : « دعوتك لزيد » ، وقوله : « إذ تدعون إلى الإيمان » ، والتقدير : يدعوكم إلى غفران ذنوبكم . لما استفهم بمعنى نفي ما اعتقدوه ، أردفه بالدلائل الدالة على وجود الصانع المختار ، فقال :
« فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
: أي خالق السماوات والأرض
« يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ »
أي : ذنوبكم و « من » صلة ، وقيل : « من » تبعيضية ، وقيل : بمعنى البدل ، أي : بدل عقوبة ذنوبكم كقوله تعالى :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
[ التوبة : 38 ] وسيأتي الكلام على هذه الوجوه .
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
إلى حين استيفاء أجلكم ، ولا يعاجلكم بالعذاب ، قال بعض العلماء : إن الفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار قبل الوقوف على الدلائل ، وذلك من وجوه : الأول : قال بعض العقلاء : إن من لطم وجه صبي لطمة ، فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار ، وعلى وجود التكليف ، وعلى وجود دار الجزاء ، وعلى وجود النبي صلّى اللّه عليه وسلم . أما دلالتها على وجود الصانع ؛ فإن الصبي العاقل إذا لطم يصيح ويقول من ذا الذي لطمني ؟ وما ذاك إلا أن فطرته شاهدة بأن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فعل فاعلها ، فلما شهدت فطرته الأصلية بافتقار ذلك الحادث الحقير إلى الفاعل ، فبأن تشهد جميع حوادث العالم بالافتقار إلى الفاعل أولى . وأما دلالتها على وجود التكليف ؛ فبأن الصبي يصيح ويقول : ضربني ذلك الضارب ، وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي ، ومندرجة تحت التكليف ، وأن الإنسان ما خلق ليفعل ما اشتهى . وأما دلالتها على وجود دار الجزاء فهو : أن ذلك الصبي يطلب بطبعة الجزاء على تلك اللّطمة ولا يتركه ، فلما شهدت فطرته الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل ، فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع العباد والأعمال أولى .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 542 . ( 2 ) تقدم .