تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
ونقل محمد بن جرير عن بعضهم : أنّ معنى قوله تعالى :
فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ
أي : سكتوا عن الجواب ، يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب : ردّ يده في فيه ، إذا لم يجبه ، ثمّ زيف هذا الوجه وقال : إنّهم أجابوا بالتّكذيب وقالوا : إنّا بما أرسلتم به كافرون وقالوا :
« إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ »
. قوله تعالى :
وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
قرأ طلحة « 1 » : « تدعونّا » بإدغام نون الرفع في نون الضمير كما يدغم في نون الوقاية ، والمعنى : في شكّ مريب موقع في الريبة أي : ذي ريبة من أرابه ، والريبة : لقلق النفس ، وألّا [ تطمئن ] « 2 » إلى الأمر . فإن قيل : لما ذكروا أنهم قالوا : إنّا كافرون برسالتكم ، وإن لم ندع هذا الجزم واليقين ، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم وعلى هذا التقدير فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم . قوله تعالى :
قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ
الآية لما قالوا للرّسل : وإنا لفي شك ، قالت لهم رسلهم وهل تشكون في اللّه ، وهو فاطر السماوات ، والأرض وفاطر أنفسنا ، وأرواحنا ، وأرزاقنا إنّا لا ندعوكم إلا لعبادة هذا الإله المنعم ، ولا نمنعكم إلا من عبادة غيره ، وهذه المعاني يشهد لها العقل بصحتها ، فكيف قلتم : وإنّا لفي شكّ ؟ . قوله :
أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ
استفهام بمعنى الإنكار ، وفي « شكّ » وجهان : أظهرهما : أنه فاعل بالجار قبله ، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام . والثاني : أنه مبتدأ ، وخبره الجار ، والأول أولى ؛ بل كان ينبغي أن يتعين ؛ لأنه يلزم من الثاني الفصل بين الصفة ، والموصوف بأجنبيّ ، وهو المبتدأ وهذا بخلاف الأوّل ، فإن الفاصل ليس أجنبيّا ، إذ هو فاعله ، والفاعل كالجزء من رافعه . ويدلّ على ذلك تجويزهم : « ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد » بنصب « أحسن » صفة ورفع « الكحل » فاعلا ب « أفعل » ولم يضر الفصل به بين « أفعل » وبين « من » لكونه كالخبر من رافعه ولم يجيزوا رفع : « أحسن » خبرا مقدما ، و « الكحل » مبتدأ مؤخر لئلا يلزم الفصل بين « أفعل » وبين « من » بأجنبي . ووجه الاستشهاد في هذه المسألة : أنّهم جعلوا المبتدأ أجنبيّا بخلاف الفاعل ولهذه المسألة موضع غير هذا . وقرأ العامة « فاطر » بالجر وفيه وجهان : النعت والبدلية . قال أبو البقاء وفيه نظر ؛ لأنّ الإبدال بالمشتقات يقلّ ، ولو جعله عطف بيان كان أسهل .
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 327 والبحر المحيط 5 / 398 ، والدر المصون 4 / 254 . ( 2 ) في ب : تظهر .