تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
نزيل كفرا خلقه اللّه فينا ؟ وحينئذ تبطل دعوة النبوة ، وتفسد بعثة الرسل . الثالث : إذا كان الكفر حاصلا بتخليق اللّه - تعالى - ومشيئته ، فيجب أن يكون الرضا به واجبا ؛ لأن الرّضا بقضاء اللّه واجب ، وذلك لا يقوله عاقل . الرابع : أنّ مقدمة الآية ، وهي قوله - جل ذكره -
لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
يدلّ على العدل ، وأيضا مؤخر الآية يدلّ عليه وهو قوله - جلّ ذكره -
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فكيف يكون حكيما من كان خالقا للكفر والقبائح ؛ فثبت بهذه الوجوه أنّه لا يمكن جعل قوله :
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
دليل على خلق الكفر في العبد ، فوجب المصير إلى التأويل وهو من وجوه : الأول : المراد من الإضلال هو الحكم بكونه ضالّا كما يقال : فلان يكفّر فلانا ويضله أي : يحكم بكونه كافر ضالا . والثاني : أنّ الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنّة إلى النّار . والثالث : أنّه يقال : إنه تعالى لما ترك الضّال على ضلاله ، ولم يتعرض له فكأنه أضله والمهتدي أنّه بالألطاف صار كأنه هداه . قال الزمخشري « 1 » : « المراد بالإضلال التخلية ، ومنع الإلطاف وبالهداية : اللّطف ، والتّوفيق » . قال ابن الخطيب « 2 » - رحمه اللّه - : « والجواب قوله - عزّ وجلّ -
لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
لا يليق به أن يضلهم . قلنا : قال الفراء : إذا ذكر فعل ، وبعده فعل آخر ، فإن كان الفعل الثّاني مشاكلا للأول نسقه عليه ، وإن لم يكن مشاكله ، استأنفه ورفعه ، نظيره :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ
[ التوبة : 32 ] وفي موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ؛ لأنّه لا يحسن أن يقال : يريدون أن يأبى اللّه ، فلما لم يمكن وضع الثاني في موضع الأول بطل العطف . ونظيره أيضا قوله :
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ
[ الحج : 5 ] ومن ذلك قولهم : « أردت أن أزورك فمنعني المطر » بالرفع غير منسوق على ما قبله كما ذكرناه ؛ ومثله قول الشاعر : [ الرجز ]
3192 - يريد أن يعربه فيعجمه « 3 »
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 539 . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 64 . ( 3 ) البيت للحطيئة الديوان ( 111 ) ينظر : معاني الفراء 2 / 68 ، الرازي 19 / 83 ، إعراب النحاس 3 / 364 ، الكتاب 1 / 430 ، الخزانة شاهد ( 149 ) ، المقتضب 2 / 33 ، العقد الفريد 2 / 480 ، الأغاني 2 / 57 ، العمدة 1 / 74 ، المغني ( 168 ) ، الهمع 2 / 131 ، الدرر 2 / 171 ، اللسان ( عجم ) ، ملحقات ديوان رؤبة ( 186 ) ، شرح شواهد المغني 4 / 95 ، الدر المصون 3 / 253 .