تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا قال اللّه تعالى :
لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
ثمّ قال :
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
ذكر : « فيضلّ » بالرفع فدلّ على أنّه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله ، وتقديره من حيث المعنى كأنّه قال - عزّ وجلّ - : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه ، ثم قال : ومع أنّ الأمر كذلك فإنّه - تعالى - يضلّ من يشاء ، ويهدي من يشاء ، والغرض منه : التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية ، وإنما كان الأمر كذلك ؛ لأنّ الهداية ، والضلال لا يحصلان إلّا من اللّه - تعالى - . وأما قولهم : لو كان الضلال حاصلا بخلق اللّه - تعالى - لكان للكافر أن يقول : ما الفائدة في نبوتك ودعوتك ؟ فالخصم يسلّم أن هذه الآيات إخبار عن كونه ضالّا فيقول له الكافر : لما أخبر إلهك عن كوني كافرا فإن آمنت صار إلهك كاذبا ، وهل أقدر على جعل علمه جهلا ؟ وإذا لم أقدر عليه ، فكيف يأمرني بهذا الإيمان ؟ فالسؤال وارد عليه . وأما قولهم ثالثا : يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجبا ؛ لأنّ الرّضا بقضاء اللّه واجب قلنا : ويلزم أيضا على مذهبك أن يكون السعي في تكذيب اللّه وفي تجهيله واجبا ؛ لأنّه - تعالى - لما أخبر عن كفره ، وعلم كفره ، فإزالته الكفر عنه قلب علمه جهلا ، وخبره الصدق كذبا ، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب ؛ فيلزمك على مذهبك ، وهذا أشد استحالة ممّا ألزمته علينا . وأمّا قولهم رابعا : إن مقدمة الآية ، وهو قوله تعالى :
لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
يدلّ على صحّة الاعتزال . فنقول : قد ذكرنا أن قوله :
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
يدلّ على صحّة مذهب أهل السنة . وأما قولهم خامسا : إنّه - تعالى - وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيما ، وذلك ينافي كونه - تعالى - خالقا للكفر مريدا له ، فنقول : وصف نفسه بكونه عزيزا ، والعزيز : هو الغالب القاهر ، فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل ، وأراد عدم الكفر منهم ، وقد حصل لما بقي عزيزا غالبا ؛ فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة ، وقد تقدّم البحث في هذه المسألة في البقرة عند قوله - جل ذكره - :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
[ البقرة : 26 ] . قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى
هامش
- وقبله :الشعر صعب وطويل سلمه * إذا ارتقى له الذي لا يعلمهزلت به إلى الحضيض قدمه * والشعر لا يسطيعه من يظلمهوالشاهد فيه : رفع « فيعجمه » على القطع ، والتقدير : فإذا هو يعجمه ، ولا يجوز نصبه على العطف ؛ لا ختلال المعنى ، فهو لا يريد إعجامه .