قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ
الآية قد تقدّم تقرير القولين في « أفلم » ، وهو نظير « أفمن » ، ومذهب الزمخشريّ فيه بعد هنا .
والمعنى : أنّ العالم بالشّيء كالبصير ، والجاهل به كالأعمى ، وليس أحدهما كالآخر ؛ لأن الأعمى إذا مشى من غير قائد ، فربّما وقع في المهالك ، أو أفسد ما كان في طريقه من الأمتعة النافعة ، وأمّا البصير ، فإنه يكون آمنا [ الهلاك ] « 1 » ، والإهلاك .
قيل : نزلت في حمزة ، وأبي جهل ، وقيل : في أبي عمّار ، وأبي جهل ، فالأوّل حمزة ، أو عمّار ، والثاني : أبو جهل ، وهو الأعمى ، أي : لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ، ومن لا يبصره ، ولا يتبعه .
إِنَّما يَتَذَكَّرُ
يتعظ
أُولُوا الْأَلْبابِ
ذوو العقول .
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
بما أمرهم به ، وفرضه عليهم ، ولا يخالفونه . ويجوز أن يكون قوله :
الَّذِينَ يُوفُونَ
صفة ل « أولي الألباب » ، ويجوز أن يكون صفة لقوله - عز وجل - :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ
.
وقيل :
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
مبتدأ : و
أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ
خبره لقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
أولئك لهم اللعنة . وهذه الآية من أوّلها إلى آخرها جملة واحدة شرطيّة ، وشرطها مشتمل على قيود .
القيد الأول قوله :
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
قال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : يريد الذين عاهدهم حين كانوا في صلب آدم - صلوات اللّه وسلامه عليه - :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
« 2 » [ الأعراف : 32 ] وقيل : المراد ب « عهد اللّه » كل أمر قام الدليل على صحّته .
والقيد الثاني : قوله سبحانه :
وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ
، وهذا قريب من الوفاء بالعهد ؛ فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق ؛ فهما متلازمان .
وقيل : الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه من الطاعات كالنذر ، والوفاء بالعهد ما كلف العبد به ابتداء .
وقيل : الوفاء بالعهد : عهد الربوبيّة ، والعبودية ، والمراد بالميثاق : المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم عند ظهوره .
هامش
( 1 ) في ب : المهالك .
( 2 ) ذكر الرازي في « تفسيره » ( 19 / 32 ) .