تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
قال ابن الخطيب « 1 » : « فعلى هذا القول : الرّعد هو الملك الموكل بالسحاب ، وذلك الصّوت يسمّى بالرّعد ، ويؤكد هذا ما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ اللّه ينشئ السّحاب ، فتنطق أحسن النّطق وتضحك أحسن الضّحك فنطقه الرّعد وضحكه برق » . وهذا القول غير مستبعد ؛ لأن - عند أهل السنة - البنية ليست شرطا لحصول الحياة ، فلا يبعد من اللّه - تعالى - أن يخلق الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والنّطق في أجزاء السّحاب ، فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له ، وكيف يستبعد ذلك ، ونحن نرى أنّ السمندل يتولد في النّار ، والضفادع تتولّد في الماء ، والدّودة العظيمة ربما تولدت في الثلوج القديمة ، وأيضا : فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود - صلوات اللّه وسلامه عليه - ولا تسبيح الحصى في زمن محمد صلّى اللّه عليه وسلم فكيف يبعد تسبيح السّحاب ؟ . وعلى هذا القول ففي هذا المسموع قولان : أحدهما : أنه ليس بملك ؛ لأنّه عطف عليه الملائكة فقال :
وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ
والمعطوف عليه مغاير للمعطوف . والثاني : لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة ، وإنّما أفرده بالذّكر تشريفا كقوله تعالى :
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] وقوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
[ الأحزاب : 7 ] . وقيل : الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فإنّه يسبح ، قال تعالى
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] . وقيل : المراد من كون الرّعد مسبحا ، أن من يسمع الرّعد فإنّه يسبح اللّه - تعالى - فلهذا المعنى أضيف التسبيح إليه . قوله :
وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ
، أي : والملائكة يسبحون من خيفة اللّه ، وخشيته ، وقيل : أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل اللّه - تعالى - له أعوانا ، فهم خائفون خاضعون طائعون . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : « خائفون من اللّه لا كخوف بني آدم ، فإنّ أحدهم لا يعرف من على يمينه ، ومن على يساره لا يشغله عن عبادة اللّه طعام ، ولا شراب ولا شيء » « 2 » . قال ابن الخطيب « 3 » : « والمحققون من الحكماء يقولون : إنّ هذه الآثار العلوية إنّما هي تتمّ بقوى روحانية فلكيّة ، فللسّحاب روح معيّن في الأرواح الفلكيّة يدبره ، وكذا الرّياح ، وسائر الآثار العلوية ، وهذا عين ما قلنا : إنّ الرعد اسم لملك من الملائكة يسبّح اللّه - تعالى - .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 21 . ( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 19 / 21 ) . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 22 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 275 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب