تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
بالفعل ، فلو كان العبد مستقلا بتحصيل الإيمان ، لكان قادرا على ردّ ما أراد اللّه - تعالى - من كفره ، وحينئذ يبطل قوله :
وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ
؛ فثبت أنّ الآية السابقة ، وإن أشعرت بمذهبهم إلا أن هذا من أقوى الدلائل على مذهبنا . روى الضحاك عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - : لم تغن المعقبات شيئا « 1 » وقال عطاء عنه : لا رادّ لعذابي ، ولا ناقض لحكمي :
وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
، أي : ليس لهم من دون اللّه من يتولاهم ، ويمنع قضاء اللّه عنهم ، أي : ما لهم وال يتولّى أمرهم ، ويمنع العذاب عنهم « 2 » . قوله :
وَإِذا أَرادَ اللَّهُ
« العامل في « إذا » محذوف لدلالة جوابها عليه تقديره : لم يرد أو وقع ، أو نحوهما ، ولا يعمل فيها جوابها ؛ لأنّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها . قوله تعالى :

[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 12 إلى 15 ]

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ( 13 ) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 14 ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 15 ) قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ
الآية لما خوّف العباد بإنزال ما لا مرد له ، أتبعه بذكر هذه الآيات المشتملة على قدرة اللّه - تعالى - وحكمته ، وهي تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه ، وتشبه العذاب ، والقهر من بعض الوجوه . قوله : « خوفا وطمعا » يجوز أن يكونا مصدرين ناصبهما محذوف ، أي : يخافون خوفا ، ويطمعون طمعا ، ويجوز أن يكونا مصدرين في موضع نصب على الحال ، وفي صاحب الحال حينئذ وجهان : أحدهما : أنه مفعول : « يريكم » الأول ، أي : خائفين طامعين ، أي : تخافون صواعقه وتطمعون في مطره ، كما قال المتنبي : [ الطويل ]
3170 - فتى كالسّحاب الجون يخشى ويرتجى * يرجّى الحيا منها وتخشى الصّواعق « 3 »
والثاني : أنّه البرق ، أي : يريكموه حال كونه ذا خوف وطمع ، إذ هو في نفسه خوف وطمع على المبالغة ، والمعنى كما تقدّم . ويجوز أن يكونا مفعولا من أجله ، ذكره أبو البقاء ، ومنعه الزمخشريّ لعدم اتّحاد
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 19 / 19 ) . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر البيت في ديوانه ( 69 ) والعمدة 1 / 38 والبحر 5 / 366 والكشاف 2 / 518 والرازي 373 والمحرر الوجيز 9 / 374 والدر المصون 4 / 334 .