تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
تكون للحال فتتعلق بمحذوف ، أي : اذهبوا معكم بقميصي ، و « هذا » نعت له ، أو بدل ، أو بيان ، و « بصيرا » حال ، و « أجمعين » توكيد له ، وقد أكد بها دون كل ، ويجوز أن تكون حالا . قوله تعالى :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 94 إلى 98 ]

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ( 94 ) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 96 ) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ( 97 ) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 98 ) قوله :
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ
يقال : فصل فلان عن فلان فصولا إذا خرج من عنده ، و « فصل » كذا إذا أنفذ ، و « فصل » يكون لازما ، ومتعدّيا ، فإن كان لازما فمصدره فصولا ، وإن كان متعديا فمصدره فصلا . قال المفسرون : لما توجّه العير من مصر إلى كنعان ، قال يعقوب لمن كان عنده من ولد ولده :
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
قال مجاهد : أصاب يعقوب ريح القميص من مسيرة ثلاثة أيام . وعن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - من مسيرة ثماني ليال « 1 » . وقال الحسن : كان بينهما ثمانون فرسخا « 2 » ، وقال مجاهد : هبّ ريح يوسف فصفق القميص ؛ ففاحت روائح الجنّة في الدّنيا ، واتّصلت بيعقوب - عليه الصلاة والسلام - فعلم أنّه ليس في الدنيا من ريح الجنّة إلّا ما كان من ذلك القميص فمن ثمّ قال :
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
وروي أنّ ريح الصّبا استأذنت ربّها أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير « 3 » . واعلم أنّ وصول تلك الرائحة إلى يعقوب من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فكان ذلك معجزة ، ولكن لمن منهما ؟ والأقرب أنّها ليعقوب حيث أخبروه عنه ، ونسبوه إلى ما لا ينبغي ؛ فظهر الأمر كما قال ؛ فكانت معجزة له . قال أهل المعاني : إنّ اللّه - تعالى - أوصل ريح يوسف عند انقضاء مدّة المحنة ومجيء وقت الروح والفرج من المكان البعيد ، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدين من الأخرى في مدّة ثمانين سنة ، وذلك يدلّ على أنّ كلّ سهل فهو في زمن المحنة صعب ، وكلّ صعب في زمن الإقبال سهل ، ومعنى :
لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
: أشم ، وعبّر عنه بالوجود ؛ لأنه وجدان له بحاشة الشّمّ .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 293 ) . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 448 ) وأخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 294 ) عن ابن جريج . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق .