تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وروي أنّ أبا سفيان لما جاء ليسلم ، قال له العبّاس - رضي اللّه عنه - : « إذا أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاتل عليه :
قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ
ففعل ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم غفر اللّه لك ولمن علّمك » « 1 » . وروي : أنّ إخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه : إنّا نستحي منك لما صدر منّا من الإساءة إليك ، فقال يوسف : إنّ أهل مصر لو ملكت فيهم ، فإنهم ينظرون إليّ بالعين الأولى ، ويقولون : سبحان الذي بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد شرفت بإتيانكم ، وعظمت في العيون لما جئتم ، علم النّاس أنكم إخوتي ، وأنّي من حفدة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ثم سألهم عن أبيه ، فقال : ما فعل أبي من بعدي قالوا : ذهبت عيناه ؛ فأعطاهم قميصه وقال : ( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ) « 2 » أي يعيده مبصرا ، وقيل : يأتيني بصيرا . قال الحسن رضي اللّه عنه : لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بالوحي ؛ لأنّ العقل لا يدلّ عليه « 3 » وقال الضحاك : كان ذلك القميص من نسيج الجنّة « 4 » . وعن مجاهد : أمره جبريل - صلوات اللّه عليه - أن يرسل قميصه ، وكان ذلك القميص قميص إبراهيم - عليه السلام - وذلك أنه جرّد من ثيابه ، وألقي في النّار عريانا ، فآتاه جبريل بقميص من حرير الجنّة ، فألبسه إياه ، فكان ذلك عند إبراهيم فلما مات إبراهيم عليه السلام ورثه إسحاق ، فلما مات إسحاق ورثه يعقوب ، فلمّا شبّ يوسف - عليه السلام - جعل ذلك يعقوب في قصبة من فضة وسد رأسها ، وعلقها في عنقه لما كان يخاف عليه من العين وكانت لا تفارقه ، فلمّا ألقي في الجبّ عريانا جاءه جبريل - عليه السلام - وعلى يوسف ذلك التّعويذ ؛ فأخرج القميص منه ، وألبسه ، ففي ذلك الوقت جاءه جبريل ، وقال : أرسل ذلك القميص فإنّ فيه ريح الجنّة لا يقع على مبتلى ، ولا سقيم إلا عوفي ، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته ، وقال :
فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً
أي : مبصرا وإنّما أفرد بالذّكر تعظيما له ، وقال في الباقين : ( وائتوني بأهلكم أجمعين ) « 5 » . قال ابن الخطيب « 6 » : « ويمكن أن يقال : لعلّ يوسف علم أنّ أباه ما صار أعمى إلّا من كثرة البكاء ، وضيق القلب ، وذلك يضعف البصر ، وإذا ألقي عليه قميصه ، فلا بد وأن ينشرح صدره ، وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد ، وذلك يقوّي الرّوح ، ويزيل الضّعف عن القوى فحينئذ يقوى بصره ، ويزول عنه ذلك ، فهذا القدر ممّا يمكن معرفته بالقلب فإنّ القوانين الطبيّة تدلّ على صحّة هذا المعنى » . قوله : « بقميصي » يجوز أن يتعلّق بما قبله على أنّ الباء معدّية كهي في : « ذهبت به » وأن
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 18 / 164 ) . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 448 ) . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي ( 2 / 448 ) . ( 6 ) ينظر : الفخر الرازي 18 / 165 .