تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
كأنّهم قصدوا التنبيه بهذا التّخفيف على أنّ الاسمين جعلا اسما واحدا . قوله
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن تكون الواو عاطفة ، وحينئذ : يحتمل أن يكون من باب ذكر الخاصّ بعد ذكر العام تفصيلا له ؛ لأن الشّمس والقمر دخلا في قوله :
أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً
فهذا كقوله :
وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] بعد قوله :
« وَمَلائِكَتِهِ »
ويحتمل أن لا تكون كذلك ، وتكون الواو لعطف المغايرة ؛ فيكون قد رأى الشمس والقمر زيادة على ال « أحد عشر » ومن جملتها الشمس والقمر ، وهذان الاحتمالان نقلهما الزمخشريّ . والوجه الثاني : أن تكون الواو بمعنى : « مع » إلا أنّه مرجوح ؛ لأنّه متى أمكن العطف من غير ضعف ، ولا إخلال بمعنى ، رجّح على المعيّة ؛ وعلى هذا فيكون كالوجه الذي قبله ، بمعنى : أنه رأى الشمس ، والقمر زيادة على الأحد عشر كوكبا . قوله
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
يحتمل وجهين : أحدهما : أنّها جملة كرّرت للتوكيد ؛ لما طال الفصل بالمفاعيل ، كما كرّرت « أنّكم » في قوله تعالى :
أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
[ المؤمنون : 35 ] . كذا قاله أبو حيّان « 1 » ، وسيأتي تحقيقه - إن شاء اللّه تعالى - . والثاني : أنه ليس [ بتأكيد ] « 2 » ، وإليه نحا الزمخشريّ ؛ فإنه قال : « فإن قلت : ما معنى تكرار « رأيتهم » ؟ قلت : ليس بتكرار ؛ إنّما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ؛ كأنّ يعقوب - عليه الصلاة والسلام - قال له عند قوله :
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
كيف رأيتها ؟ سائلا عن حال رؤيتها ، فقال : ( رأيتهم لي ساجدين ) وهذا أظهر ؛ لأنّه متى دار الكلام بين الحمل على التأكيد والتأسيس ، فحمله على التّأسيس أولى » . و « ساجدين » : صفة جمع جمع العقلاء ، فقيل : لأنّه لما عاملهم معاملة العقلاء في إسناد فعلهم إليهم ، جمعهم جمع العقلاء ؛ لأنّ الشيء قد يعامل معاملة شيء آخر ، إذا شاركه في صفة ما ؛ كما قال في صفة الأصنام :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 178 ] ، وكقوله عز وجل :
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
[ النمل : 18 ] . والرّؤية هنا : مناميّة ، وقد تقدم أنّها تنصب مفعولين ؛ كالعلميّة ؛ وعلى هذا قد حذف المفعول الثاني من قوله :
رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً
، ولكن حذفه اقتصارا ممتنع ، فلم يبق إلا اختصارا ، وهو قليل ، أو ممتنع عند بعضهم « 3 » . وقال بعضهم : إن إحداهما من الرّؤية ، والأخرى من الرّؤيا .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 281 . ( 2 ) في ب : بتكرار . ( 3 ) ينظر : الكتاب 1 / 40 ، وابن يعيش 7 / 78 ، والتصريح 1 / 249 - 250 ، والمقتضب 3 / 189 ، والهمع 1 / 149 .