تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
وقال ابن عطيّة « أي : الزموا براءة ، وفيه معنى الإغراء » وقرىء « 1 » « من اللّه » بكسر نون « من » على أصل التقاء السّاكنين ، أو على الاتباع لميم « من » وهل لغيّة ، فإنّ الأكثر فتحها مع لام التّعريف ، وكسرها مع غيرها ، نحو « من ابنك » ، وقد يعكس الأمر فيهما ، وحكى أبو عمر عن أهل نجران أنّهم يقرءون كذلك ، بكسر النون مع لام التّعريف . فإن قيل : ما السّبب في أنّ نسب البراءة إلى اللّه ورسوله ، ونسب المعاهدة إلى المشركين ؟ فالجواب : قد أذن اللّه في معاهدة المشركين ، فاتفق المسلمون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعاهدهم ، ثم إنّ المشركين نقضوا العهد ؛ فأوجب اللّه النّبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك ، وقيل لهم : اعلموا أنّ اللّه ورسوله قد برئا ممّا عاهدتم من المشركين . روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا خرج إلى تبوك وتخلف المنافقون ، وأرجفوا بالأراجيف ، وجعل المشركون ينقضون العهد ، فأمر اللّه تعالى بنقض عهودهم ، التي كانت بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال الزجاج : « براءة » أي : قد برئ اللّه ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذا نكثوا . فإن قيل : كيف يجوز أن ينقض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم العهد ؟ . فالجواب : لا يجوز أن ينقض العهد إلّا على ثلاثة أوجه : فالأول : أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم ، فينبذ العهد إليهم ، حتّى يستووا في معرفة نقض العهد ، لقوله
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ
[ الأنفال : 58 ] وقال أيضا :
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ
[ الأنفال : 56 ] . الثاني : أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم بما أمر اللّه به ، فلمّا أمر اللّه تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط . الثالث : أن يكون مؤجلا فتنقضي المدّة وينقضي العهد ، ويكون الغرض من إظهار البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود للعهد ، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة ، فأمّا فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد ألبتّة ؛ لأنّه يجري مجرى الغدر وخلف القول ، واللّه ورسوله بريئان منه ؛ ولهذا المعنى قال تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ
[ التوبة : 4 ] ، وقيل : إنّ أكثر المشركين نقضوا العهد إلّا بنو ضمرة وبنو كنانة . قوله :
إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الخطاب مع أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي عاهدهم وعاقدهم ؛ لأنه عاهدهم وأصحابه بذلك راضون ، فكأنّهم « عاقدوا » وعاهدوا .
هامش
( 1 ) وهي قراءة أهل نجران . ينظر : الكشاف 2 / 242 ، المحرر الوجيز 3 / 4 ، البحر المحيط 5 / 6 ، الدر المصون 3 / 440 .