تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
وقال الكلبيّ : إنما كانت الأربعة أشهر من كان له عهد دون أربعة فأتموا له أربعة أشهر ، فأمّا من كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده بقوله
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ .
قال الحسن « أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بقتال من قاتله من المشركين ، فقال :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
[ البقرة : 190 ] وكان لا يقاتل إلّا من قاتله ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم ، وأجلهم أربعة أشهر ، فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر لا من كان له عهد قبل البراءة ، ولا من لم يكن له عهد ، وكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر ، وأحل دماء جميعهم من أهل العهود وغيرهم بعد انقضاء الأجل » « 1 » . والمقصود من هذا الإعلام أمور : أولها : أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر ، ويعلموا أنّه ليس لهم بعد هذه المدة إلّا أحد أمور ثلاثة : إمّا الإسلام أو قبول الجزية أو السيف ، فيصير ذلك حاملا لهم على الإسلام . وثانيها : لئلّا ينسب المسلمون إلى نكث العهد . وثالثها : أراد اللّه أن يعمّ جميع المشركين بالجهاد ، فعمّ الكل بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر ، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار ، ولا يصحّ ذلك إلا بنقض العهود . ورابعها : أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحج في السّنة الآتية ، فأمر بإظهار هذه البراءة لئلّا يشاهد العراة ، وقيل : نزل هذا قبل تبوك . وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما : نزلت في أهل مكّة . وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عاهد قريشا عام الحديبية ، على أن يضعوا الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ، ودخلت خزاعة في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها ، وأعانتهم قريش بالسّلاح فلمّا تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ، ونقضوا العهد ، خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ ، حتى وقف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : [ الرجز ]
2743 - لاهمّ إنّي ناشد محمّدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنت لنا أبا وكنّا ولدا * ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك اللّه نصرا أبدا * وادع عباد اللّه يأتوا مددا
فيهم رسول اللّه قد تجرّدا * في فيلق كالبحر يجري مزبدا
أبيض مثل الشّمس يسمو صعدا * إن سيم خسفا وجهه تربّدا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 15 / 175 ) .