تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 5

مساهمون:

ص٥
تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة ، وعلى هذا القول لا يلزم منه تجويز مذهب الإماميّة ؛ لأنه لمّا وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصّحابة لم يقطعوا بأحد القولين ، وهذا يدل على أنّ هذا الاشتباه كان حاصلا ، فلمّا لم يتسامحوا بهذا القدر من الشّبهة دلّ على أنّهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتّغيير ، وذلك يبطل قول الإماميّة . الوجه الرابع : أنّه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب موالاة المؤمنين بعضهم بعضا ، وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكليّة . ثم إنّه تعالى صرّح بهذا المعنى في قوله :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
فلمّا كان هذا عين ذلك الكلام ، وتأكيدا له وتقريرا له ، لزم الفاصل بينهما وكان إيقاع الفاصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين ، وترك كتابة البسملة تنبيها على أنّ هذا المعنى هو عين ذلك المعنى . الوجه الخامس : قال القرطبيّ : « قيل : إنه كان من شأن العرب في الجاهليّة ، إذا كان بينهم وبين قوم عهد فأرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه البسملة ، فلمّا نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبين المشركين ، أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بكتابته بغير بسملة ، وبعث بها عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ، فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة » . قال ابن عباس : سألت عليّا - رضي اللّه عنه - : لم لم تكتب « بسم اللّه الرحمن الرّحيم » ههنا ؟ قال : لأنّ « بسم اللّه الرحمن الرحيم » أمان ، وهذه السّورة نزلت بالسّيف ونبذ العهد ، وليس فيها أمان « 1 » . ويروى أنّ سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى وأكده بقوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً
[ النساء : 94 ] فقيل له : أليس لنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كتب إلى أهل الحرب « بسم اللّه الرحمن الرّحيم » ؟ فأجاب عنه : بأنّ ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى اللّه تعالى ، ولم ينبذ إليهم عهدهم ، ألا ترى أنّه قال في آخر الكتاب
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
[ طه : 47 ] . وأما هذه السّورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهد ، فظهر الفرق . الوجه السادس : قالت الشافعيّة : لعلّ اللّه تعالى لمّا علم من بعض النّاس أنّهم يتنازعون في كون « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم » من القرآن ، أمر بأن لا تكتب ههنا ، ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة ، فإنّها لما لم تكن آية من هذه السّورة لا جرم لم تكتب وذلك يدلّ على أنّها لمّا كتبت في أول سائر السّور وجب كونها آية من كلّ سورة ، وقد يعكس عليهم ذلك فيقال : لو كانت آية من كل سورة لما أسقطها من هذه السورة ؟ .
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 377 ) وعزاه إلى أبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس . قلت : وقد أخرجه الحاكم في « المستدرك » ( 2 / 330 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 5 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب