تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
أمرت بها على جادّة الحقّ غير عادل منها . وإمّا على الحال من ضمير ذلك المصدر . واستفعل هنا للطّلب ، كأنه قيل : اطلب الإقامة على الدّين ، كما تقول : استغفر أي : اطلب الغفران . قوله :
« وَمَنْ تابَ مَعَكَ »
في « من » وجهان ، أحدهما : أنّه منصوب على المفعول به ، كذا ذكره أبو البقاء « 1 » ، ويصير المعنى : استقم مصاحبا لمن تاب مصاحبا لك ، وفي هذا المعنى نبوّ عن ظاهر اللفظ . والثاني : أنّه مرفوع فإنّه نسق على المستتر في « استقم » ، وأغنى الفصل بالجارّ عن تأكيده بضمير منفصل في صحّة العطف ، وقد تقدّم هذا البحث في قوله :
« اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ » ، *
وأنّ الصحيح أنّه من عطف الجمل لا من عطف المفردات ، ولذلك قدّره الزمخشريّ فاستقم أنت ، وليستقم من تاب معك ، فقدّر الرافع له فعلا لائقا برفعه الظّاهر . وقال الواحدي : محلها ابتداء تقديره : ومن تاب معك فليستقم .

فصل [ في معنى الآية : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ . . .

] معنى الآية :
« فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ »
على دين ربّك ، والعمل به ، والدّعاء إليه ، كما أمرت ،
« وَمَنْ تابَ مَعَكَ »
أي : من آمن معك فليستقيموا ، قال عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - : الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنّهي ، ولا تروغ روغان الثّعلب « 2 » . روى هشام بن عروة عن أبيه عن سفيان بن عبد اللّه الثّقفي - رضي اللّه عنه - قال : قلت يا رسول اللّه قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ، قال : « قل آمنت بالله ثم استقم » « 3 » .

فصل [ في أن هذه الآية أصل عظيم من أصول الشريعة ]

هذه الآية أصل عظيم في الشّريعة ، وذلك أنّ القرآن لمّا ورد بترتيب الوضوء في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيه ، لقوله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ،
ولمّا ورد الأمر في الزّكاة بأداء الإبل من الإبل ، والبقر من البقر وجب اعتبارها ، وكذا القول في كل ما ورد أمر اللّه به . قال ابن الخطيب : وعندي أنه لا يجوز تخصيص النصّ بالقياس ؛ لأنّه لمّا دلّ عموم النّص على حكم وجب العمل بمقتضاه ، لقوله تعالى - :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
فالعمل بالقياس انحراف عنه .
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 2 / 47 . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 404 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم 1 / 65 كتاب الإيمان باب جامع أوصاف الإسلام ( 62 / 38 ) . وأخرجه أحمد في المسند 3 / 413 وابن ماجة 2 / 314 بزيادة في آخره : قلت يا رسول اللّه ما أكثر ما تخاف علي فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلسان نفسه ثم قال : هذا ( 3972 ) والترمذي بالزيادة المذكورة 4 / 524 - 525 ( 2410 ) . وقال : هذا حديث صحيح . وقد روي عن غير وجه عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي .