تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
خارج ، هذا المثال لحن . قال شهاب الدّين : إن عنى أنّه ليس مثله في التركيب من كل وجه فمسلّم ، ولكن ذلك لا يفيد فيما نحن بصدده ، وإن عنى أنه ليس مثله في كونه دخلت « لمّا » المشددة على خبر « إنّ » فليس كذلك ، بل هو مثله في ذلك ، فتسليمه اللّحن في المثال المذكور ليس بصواب ؛ لأنه يستلزم ما لا يجوز أن يقال . وقال أبو جعفر : القراءة بتشديدهما عند أكثر النّحويين لحن ، حكي عن محمد بن يزيد أنه قال : إنّ هذا لا يجوز ، ولا يقال : إنّ زيدا إلا لأضربنّه ، ولا « لما لأضربنه » قال : وقال الكسائي : « اللّه أعلم لا أعرف لهذه القراءة وجها » . وقد تقدم ذلك ، وتقدم أيضا أنّ الفارسي قال : كما لا يحسن : إنّ زيدا إلّا لمنطلق ؛ لأنّ « إلّا » إيجاب بعد نفي ، ولم يتقدّم هنا إلّا إيجاب مؤكّد ، فكذا لا يحسن : إنّ زيدا لما منطلق ، لأنه بمعناه ، وإنّما ساغ نشدتك باللّه لمّا فعلت . . إلى آخر كلامه . وهذه أقوال مرغوب عنها ؛ لأنّها معارضة للمتواتر القطعي . وأمّا القراءات الشّاذة فأوّلها قراءة أبي ومن تبعه « وإن كل لما » بتخفيف « إن » ورفع « كل » على أنّها « إن » النافية و « كل » مبتدأ ، و « لمّا » مشددة بمعنى « إلّا » ، و « ليوفّينّهم » جواب قسم محذوف ، وذلك القسم وجوابه خبر المبتدأ . وهي قراءة جليّة واضحة كما قرؤوا كلّهم
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ
[ يس : 32 ] ومثله
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ
[ الزخرف : 35 ] ، ولا التفات إلى قول من نفى أنّ « لمّا » بمنزلة « إلّا » فقد تقدّمت أدلته . وأما قراءة اليزيدي وابن أرقم « لمّا » بالتشديد منونة ف « لمّا » فيها مصدر من قولهم : « لممته - أي : جمعته - لمّا » ومنه قوله تعالى :
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا
[ الفجر : 19 ] ، ثم في تخريجه وجهان : أحدهما : ما قاله أبو الفتح ، وهو أن يكون منصوبا بقوله : « ليوفّينّهم » على حدّ قولهم : قياما لأقومنّ ؛ وقعودا لأقعدنّ ، والتقدير : توفية جامعة لأعمالهم ليوفينهم ، يعني أنه منصوب على المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون الاشتقاق . والثاني : ما قاله أبو علي الفارسي وهو : أن يكون وصفا ل « كلّ » ، وصفا بالمصدر مبالغة ، وعلى هذا فيجب أن يقدّر المضاف إليه « كل » نكرة ، ليصحّ وصف « كل » بالنّكرة ، إذ لو قدّر المضاف معرفة لتعرّفت « كل » ، ولو تعرّفت لامتنع وصفها بالنّكرة ، فلذلك قدّر المضاف إليه نكرة ، ونظيره قوله تعالى :
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا
فوقع « لمّا » نعتا ل « أكلا » وهو نكرة . قال أبو علي : ولا يجوز أن يكون حالا ؛ لأنه لا شيء في الكلام عامل في الحال . وظاهر عبارة الزمخشري أنّه تأكيد تابع ل « كلّا » كما يتبعها أجمعون ، أو أنّه منصوب على النّعت ل « كلّا » ، فإنه قال :
« وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ »
كقوله :
« أَكْلًا لَمًّا »
والمعنى : وإن كلّا ملمومين بمعنى : مجموعين ، كأنه قيل : وإن كلّا جميعا كقوله تعالى :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ