تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
والصّلاح وإخفاء موجبات الفتن ، فلو كانت هذه الدعوة باطلة لما اشتغل بها ، ثمّ لمّا بيّن صحة طريقته أشار إلى نفي المعارض وقال : لا تحملكم عداوتي على مذهب ودين تقعون بسببه في العذاب الشّديد من اللّه ، كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين ، ثم إنّه لمّا صحّح مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكره أولا وهو التوحيد والمنع من البخس بقوله :
« ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ »
ثم بيّن لهم أنّ سبق الكفر والمعصية منهم لا ينبغي أن يمنعهم من الإيمان والطّاعة ؛ لأنّه تعالى رحيم ودود يقبل الإيمان من الكافر والفاسق ؛ لأنّ رحمته بعباده وحبه لهم يوجب ذلك ، وهذا تقرير في غاية الكمال . قوله :
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ .
قيل : المعنى : ما نفقه كثيرا ممّا تقول ؛ لأنّهم كانوا لا يلقون إليه أفهامهم لشدّة نفورهم من كلامه ، كقوله :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
[ الأنعام : 25 ] . وقيل : إنّهم فهموه ، ولكنّهم ما أقاموا له وزنا ، فذكروا هذا الكلام على سبيل الاستهانة ، كقول الرّجل لمن لم يعبأ بحديثه : ما أدري ما تقول . وقيل : ما ندري صحة الدّليل الذي ذكرته على صحّة التوحيد والنّبوة والبعث ، وما يجب من ترك الظّلم والسرقة .

فصل [ في الاستدلال على أن الفقه اسم لعلم مخصوص ]

استدلّوا بهذه الآية على أنّ الفقه : اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه ؛ لأنه أضاف الفقه إلى القول ، ثم صار اسما لنوع معيّن من علوم الدين ، وقيل : إنّه اسم لمطلق الفهم ، يقال : أوتي فلان فقها في الدّين ، أي : فهما . قال عليه الصلاة والسّلام : « يفقهه في الدين » « 1 » أي : يفهمه تأويله . ثم قال :
« وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً »
قيل : الضّعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه . وقيل : هو الأعمى بلغة حمير . وهذا ضعيف ؛ لأنه ترك للظاهر بغير دليل ، وأيضا فقوله : « فينا » يبطل هذا الوجه ؛ لأنّهم لو قالوا : إنّا لنراك أعمى فينا كان فاسدا ؛ لأنّ الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم . وأيضا قولهم بعد ذلك
« وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ »
فنفوا عنه القوّة التي أثبتوها في رهطه وهي النّصرة ؛ فوجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النّصرة . واستدلّ بعض العلماء بهذه الآية على تجويز العمى على الأنبياء - عليهم الصلاة والسّلام - . وذلك اللّفظ لا يدلّ عليه ، لما بيّناه . قال بعض المعتزلة : لا يجوز العمى على الأنبياء ، فإنّ الأعمى لا يمكنه التّجوز عن
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 1 / 197 ) كتاب العلم باب من يرد اللّه به خيرا حديث ( 71 ) ومسلم ( 2 / 718 - 719 ) كتاب الزكاة : باب النهي عن المسألة حديث ( 98 / 1037 ) من حديث معاوية .