تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
وهذا الوجه ردّه أبو عبيد بأنه يلزم منه أنّهم نهوا عن الالتفات إلّا المرأة ، فإنّها لم تنه عنه ، وهذا لا يجوز ، ولو كان الكلام
« وَلا يَلْتَفِتْ »
برفع « يلتفت » يعني على أن تكون « لا » نافية ، فيكون الكلام خبرا عنهم بأنّهم لم يلتفتوا إلّا امرأته فإنّها تلتفت لكان الاستثناء بالبدليّة واضحا ، لكنّه لم يقرأ برفع « يلتفت » أحد . واستحسن ابن عطية هذا الإلزام من أبي عبيد . وقال : « إنّه وارد على القول باستثناء المرأة من « أحد » سواء رفعت المرأة أو نصبتها » . وهذا صحيح ، فإنّ أبا عبيد لم يرد الرفع لخصوص كونه رفعا ، بل لفساد المعنى ، وفساد المعنى دائر مع الاستثناء من « أحد » ، وأبو عبيد يخرّج النصب على الاستثناء من « بأهلك » ولكنّه يلزم من ذلك إبطال قراءة الرّفع ، ولا سبيل إلى ذلك لتواترها . وقد انفصل المبرّد عن هذا الإشكال الذي أورده أبو عبيد بأنّ النّهي في اللفظ ل « أحد » وهو في المعنى للوط - عليه الصلاة والسّلام - ، إذ التقدير : لا تدع منهم أحدا يلتفت ، كقولك لخادمك : « لا يقم أحد » النّهي ل « أحد » وهو في المعنى للخادم ، إذ المعنى : لا تدع أحدا يقوم . فآل الجواب إلى أنّ المعنى لا تدع أحدا يلتفت إلّا امرأتك فدعها تلتفت ، هذا مقتضى الاستثناء كقولك : « لا تدع أحدا يقوم إلا زيدا » معناه : فدعه يقوم . وفيه نظر ، إذ المحذور الذي قد فرّ منه أبو عبيد موجود هو أو قريب منه هنا . والثاني : أنّ الرفع على الاستثناء المنقطع . وقال أبو شامة : قراءة النّصب أيضا من الاستثناء المنقطع ، فالقراءتان عنده على حدّ سواء ، ولنسرد كلامه قال : « الذي يظهر أنّ الاستثناء على كلتا القراءتين منقطع ، لم يقصد به إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ، ولا من المنهيين عن الالتفات ، ولكن استؤنف الإخبار عنها ، فالمعنى : لكن امرأتك يجري لها كذا وكذا ، ويؤيد هذا المعنى أنّ مثل هذه الآية جاءت في سورة الحجر ، وليس فيها استثناء ألبتّة ، قال تعالى :
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ
[ الحجر : 65 ] الآية . فلم تقع العناية في ذلك إلّا بذكر من أنجاهم اللّه تعالى ، فجاء شرح حال امرأته في سورة [ هود ] تبعا لا مقصودا بالإخراج ممّا تقدّم ، وإذا اتّضح هذا المعنى علم أنّ القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع ، وفيه النصب والرفع ، فالنّصب لغة أهل الحجاز ، وعليه الأكثر ، والرّفع لغة تميم ، وعليه اثنان من القراء » . قال أبو حيّان « 1 » : « وهذا الذي طوّل به لا تحقيق فيه ، فإنّه إذا لم يقصد إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ، ولا من المنهيّين عن الالتفات ، وجعل استثناء منقطعا ، كان من
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 249 .