تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
وقيل : « فصّلت » أي : أنزلت شيئا فشيئا كقوله تعالى :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ
[ الأعراف : 133 ] ، وقيل : جعلت فصولا : حلالا ، وحراما ، وأمثالا ، وترغيبا وترهيبا ومواعظ وأمرا ونهيا .

فصل [ في احتجاج الجبائي بهذه الآية على أن القرآن مخلوق ]

احتجّ الجبائي بهذه الآية على أنّ القرآن محدث مخلوق من ثلاثة أوجه : الأول : قال : المحكم هو الذي أتقنه فاعله ، ولولا أنّ اللّه - تعالى - خلق هذا القرآن ، لم يصحّ ذلك ؛ لأنّ الإحكام لا يكون إلّا في الأفعال ، ولا يجوز أن يقال : كان موجودا غير محكم ، ثم جعله اللّه محكما ؛ لأنّ هذا يقتضي في بعضه الذي جعله محكما بأن يكون محدثا ، ولم يقل أحد بأنّ القرآن بعضه قديم وبعضه محدث . الثاني : أنّ قوله : « فصّلت » يدلّ على أنّه حصل فيه انفصال وافتراق ، ويدلّ على أنّ ذلك الانفصال والافتراق إنّما حصل بجعل جاعل . الثالث : قوله تعالى :
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ،
والمراد من عنده ، والقديم لا يقال : إنّه حصل من عند قديم آخر ؛ لأنّهما إن كانا قديمين ، لم يكن القول بأنّ أحدهما حصل من عند الآخر أولى من العكس . وأجيب بأنّ النّعوت عائدة إلى هذه الحروف والأصوات ، ونحن معترفون بأنّها مخلوقة ، وإنّما الذي يدّعى قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف والأصوات . قوله :
« مِنْ لَدُنْ »
أي : من عند ، يجوز أن تكون صفة ثانية ل « كتاب » وأن تكون خبرا ثانيا عند من يرى جواز ذلك ، ويجوز أن تكون معمولة لأحد الفعلين المتقدّمين يعني : « أحكمت » أو « فصّلت » ويكون ذلك من باب التنازع ، ويكون من إعمال الثاني ، إذ لو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، وإليه نحا الزّمخشري فقال : وأن يكون صلة « أحكمت » « فصّلت » ، أي : من عنده أحكامها وتفصيلها ، والمعنى : أحكمها حكيم وفصّلها ، أي : شرحها وبيّنها خبير بكيفيات الأمور . قال أبو حيان « 1 » : لا يريد أنّ
« مِنْ لَدُنْ »
متعلق بالفعلين معا من حيث صناعة الإعراب ، بل يريد أن ذلك من باب الإعمال ، فهي متعلقة بهما من حيث المعنى ، وهو معنى قول أبي البقاء أيضا : ويجوز أن يكون مفعولا ، والعامل فيه فصّلت . قوله : « أن لا
تَعْبُدُوا »
فيه أوجه : أحدها : أن تكون أن المخففة من الثّقيلة ، و « لا
تَعْبُدُوا »
جملة نهي في محلّ رفع خبرا ل « أن » المخففة ، واسمها على ما تقرّر ضمير الأمر والشّأن محذوف . والثاني : أنّها المصدرية النّاصبة ، ووصلت هنا بالنّهي ، ويجوز أن تكون « لا » نافية ،
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 201 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 429 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب