تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
ثم قال :
وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ
يميتكم ، ويقبض أرواحكم . فإن قيل : ما الحكمة في وصف المعبود ههنا بقوله :
« الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ » ؟
. فالجواب : من وجوه : الأول : أنّ المعنى أني أعبد اللّه الذي خلقكم أولا ، ثم يتوفّاكم ثانيا ثم يعيدكم ثالثا ، فاكتفى بذكر التوفي لكونه منبّها على البواقي . الثاني : أنّ الموت أشدّ الأشياء مهابة ، فخص هذا الوصف بالذكر ههنا ، ليكون أقوى في الزّجر والرّدع . الثالث : أنّهم لمّا استعجلوا نزول العذاب قال تعالى :
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا
وهذا يدلّ على أنّه تعالى يهلك أولئك الكفار ، ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم ، فلمّا كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال ههنا :
وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ
وهو إشارة إلى ما قرّره وبيّنه في تلك الآية كأنه يقول : أعبد اللّه الذي وعدني بإهلاككم ، وإبقائي بعدكم . قوله :
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، *
قال الزمخشري : أصله بأن أكون ، فحذف الجارّ ، وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد الذي هو حذف الحروف الجارّة مع أن وأنّ ، وأن يكون من الحذف غير المطّرد ؛ وهو كقوله : [ البسيط ]
2939 - أمرتك الخير . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 1 »
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : 94 ] يعنى : بغير المطّرد أنّ حذف حرف الجر مسموع في أفعال لا يجوز القياس عليها ، وهي : أمر ، واستغفر ، كما تقدم [ الأعراف 155 ] ، وأشار بقوله « أمرتك » إلى البيت المشهور : [ البسيط ]
2940 - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 2 »
وقد قاس ذلك بعض النّحويّين ، ولكن يشترط أن يتعيّن ذلك الحرف ، ويتعيّن موضعه أيضا ، وهو رأي علي بن سليمان فيجيز « بريت القلم السكين » بخلاف « صككت الحجر بالخشبة » . قوله
« وَأَنْ أَقِمْ »
يجوز أن يكون على إضمار فعل أي : وأوحي إليّ أن أقم ، ثم لك في « أن » وجهان أحدهما : أن تكون تفسيرية لتلك الجملة المقدّرة ، كذا قاله أبو حيان ، وفيه نظر ، إذ المفسّر لا يجوز حذفه ، وقد ردّ هو بذلك في موضع غير هذا ، والثاني : أن تكون المصدرية ، فتكون هي وما في خبرها في محلّ رفع بذلك الفعل المقدر ، ويحتمل أن تكون « أن » مصدرية فقط ، وهي على هذا معمولة لقوله : أمرت مراعى فيها معنى
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم .