تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
قال شهاب الدّين : « والجواب : أنّ الفرّاء ، وابن عطيّة إنّما أرادا السّحر المتقدّم الذكر في اللفظ ، وإن كان الثّاني هو غير عين الأول في المعنى ، ولكن لمّا أطلق عليهما لفظ « السّحر » جاز أن يقال ذلك ، ويدلّ على هذا : أنّهم قالوا في قوله - تعالى - :
وَالسَّلامُ عَلَيَّ
[ مريم : 33 ] إنّ الألف واللام للعهد ؛ لتقدّم ذكر السّلام في قوله - تعالى - :
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
[ مريم : 15 ] ، وإن كان السّلام الواقع على عيسى ، هو غير السّلام الواقع على يحيى ؛ لاختصاص كلّ سلام بصاحبه من حيث اختصاصه به ، وهذا النّقل المذكور عن الفرّاء في الألف واللّام ، ينافي ما نقله عنه مكّي فيهما ، اللّهمّ إلّا أن يقال : يحتمل أن يكون له مقالتان ، وليس ببعيد ؛ فإنّه كلّما كثر العلم ، اتّسعت المقالات » . قوله :
« إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ »
أي : سيهلكه ، ويظهر فضيحة صاحبه ،
« إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ »
أي : لا يقوّيه ولا يكمّله ، وقوله : « المفسدين » من وقوع الظّاهر موقع ضمير المخاطب ؛ إذ الأصل : لا يصلح عملكم ؛ فأبرزهم في هذه الصّفة الذّميمة شهادة عليهم بها ، ثم قال :
« وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ »
أي : يظهره ويقوّيه ، « بكلماته » أي : بوعده موسى ، وقيل : بما سبق من قضائه وقدره ، وقرىء : « بكلمته » بالتوحيد ، وتقدّم نظيره [ الأنفال 7 ] . قوله :
« فَما آمَنَ لِمُوسى »
الفاء للتّعقيب ، وفيها إشعار بأنّ إيمانهم لم يتأخّر عن الإلقاء ، بل وقع عقيبه ؛ لأنّ الفاء تفيد ذلك ، وقد تقدّم توجيه تعدية « آمن » باللّام ، والضّمير في « قومه » فيه وجهان : أظهرهما : أنّه يعود على موسى ؛ لأنّه هو المحدّث عنه ؛ ولأنّه أقرب مذكور ، ولو عاد على فرعون ، لم يكرّر لفظه ظاهرا ، بل كان التركيب : « على خوف منه » وإلى هذا ذهب ابن عبّاس ، وغيره ، قال : المراد : مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر ، وخرجوا معه « 1 » . قال ابن عبّاس : لفظ الذّريّة يعبّر به عن القوم على وجه التّحقير والتّصغير « 2 » ، ولا سبيل لحمله على التقدير على وجه الإهانة ههنا ؛ فوجب حمله على التصغير ، بمعنى : قلة العدد . قال مجاهد : كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل ، هلك الآباء ، وبقي الأبناء « 3 » . وقيل : هم قوم نجوا من قتل فرعون ؛ وذلك أنّ فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل ، كانت المرأة في بني إسرائيل ، إذا ولدت ابنا وهبته لقبطيّة ، خوفا عليه من القتل ، فنشئوا بين القبط ، وأسلموا في اليوم الذي غلب فيه موسى السّحرة .
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 17 / 115 - 116 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 592 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 565 ) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ .