تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
الدال على تكذيبك ، وحذف الصفة ، وإبقاء الموصوف قليل ، بخلاف عكسه . وقيل : بل هو عام أريد به الخاص . ثم ابتدأ فقال :
« إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ » ،
العامة على كسر « إن » ، استئنافا ، وهو مشعر بالعلية . وقيل : هو جواب سؤال مقدر ؛ كأن قائلا قال : لم لا يحزنه قولهم ، وهو مما يحزن ؟ فأجيب بقوله :
« إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » ،
ليس لهم منها شيء ، فكيف تبالي بقولهم ؟ . والوقف على قوله : « قولهم » ينبغي أن يعتمد ، ويقصد ، ثم يبتدأ بقوله :
« إِنَّ الْعِزَّةَ »
وإن كان من المستحيل أن يتوهم أحد أن هذا من مقولهم ، إلا من لا يعتبر بفهمه ، وقرأ أبو « 1 » حياة « أن العزة » بفتح « أن » وفيها تخريجان : أحدهما : أنها على حذف لائم العلة ، أي : لا يحزنك قولهم ؛ لأجل أن العزة لله جميعا . الثاني : أن « أن » وما في حيزها بدل من « قولهم » كأنه قيل : ولا يحزنك أن العزة لله ، وكيف يظهر هذا التوجيه ، أو يجوز القول به ، وكيف ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في المعنى ، وهو لم يتعاط شيئا من تلك الأسباب ؟ وأيضا ؛ فمن أي قبيل الإبدال هذا ؟ قال الزمخشري : « ومن جعله بدلا من « قولهم » ثم أنكره ، فالمنكر هو تخريجه ، لا ما أنكره من القراءة به » . يعني : أن إنكاره للقراءة منكر ؛ لأن معناها صحيح على ما ذكر من التعليل ، وإنما المنكر هذا التخريج ، وقد أنكر جماعة هذه القراءة ، ونسبوها للغلط ولأكثر منه . قال القاضي : « فتحها شاذ يقارب الكفر ، وإذا كسرت كان استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب » . وقال ابن قتيبة : لا يجوز فتح « إن » في هذا الموضع وهو كفر وغلو . قال أبو حيان : وإنما قالا ذلك بناء منهما على أن « أن » معمولة ل « قولهم » . قال شهاب الدين كيف تكون معمولة ل « قولهم » وهي واجبة الكسر بعد القول إذا حكيت به ، فكيف يتوهم ذلك ؟ وكما لا يتوهم هذا المعنى مع كسرها ، لا يتوهم أيضا مع فتحها ما دائم له وجه صحيح . و « جميعا » حال من العزة ، ويجوز أن يكون توكيدا ولم يؤنث بالتاء ؛ لأن فعيلا يستوي فيه المذكر والمؤنث ، لشبهه بالمصادر ، وقد تقدم تحريره في قوله :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 357 ، المحرر الوجيز 3 / 129 ، البحر المحيط 5 / 174 ، الدر المصون 4 / 50 .