تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
قال الزمخشري « 1 » : « ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار ، و « أم » منقطعة بمعنى : بل أتفترون على اللّه ، تقريرا للافتراء » والظّاهر هو الأول ؛ إذ المعادلة بين الجملتين اللتين بمعنى المفرد واضحة ؛ إذ التقدير : أيّ الأمرين وقع إذن اللّه لكم في ذلك ، أم افتراؤكم عليه ؟ .

فصل [ في معنى الآية : فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا . . .

] المراد بالشّيء الذي جعلوه حراما : ما ذكروه من تحريم السائبة ، والوصيلة ، والحام ، وقولهم
هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ
[ الأنعام : 138 ]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً
[ الأنعام : 36 ] ، وقولهم :
ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا
[ الأنعام : 139 ] وقولهم :
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ
[ الأنعام : 143 ] ويدلّ على ذلك : أنّ قوله :
« فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا »
إشارة إلى أمر تقدّم منهم ، ولم يحك اللّه - تعالى - عنهم إلّا هذا ؛ فوجب توجيه الكلام إليه ، ثم لمّا حكى تعالى ذلك عنهم ، قال لرسوله :
« قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ »
وهذه قسمة صحيحة ؛ لأنّ هذه الأحكام : إمّا أن تكون من اللّه - تعالى - ، أو لم تكن ، فإن كانت من اللّه فهو المراد بقوله :
« آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ »
وإن كانت ليست من اللّه ، فهو المراد بقوله :
« أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ » .

فصل [ في استدلال نفاة القياس بهذه الآية على بطلان القياس ]

استدلّ نفاة القياس بهذه الآية على بطلان القياس . قال القرطبيّ : « وهو بعيد ؛ لأنّ القياس دليل قول اللّه - تعالى - ؛ فيكون التّحليل والتّحريم من اللّه - تعالى - ، عند وجود دلالة نصبها اللّه تعالى على الحكم ، فإن خالف في كون القياس دليلا للّه - تعالى - ، فهو خروج عن هذا الغرض ، ورجوع إلى غيره » . قوله :
« وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ »
: « ما » مبتدأة استفهامية ، و « ظنّ » خبرها ، و « يوم » منصوب بنفس الظنّ ، والمصدر مضاف لفاعله ، ومفعولا الظن محذوفان ، والمعنى : وأيّ شيء يظنّ الذين يفترون يوم القيامة أنّي فاعل بهم : أأنجيهم من العذاب ، أم أنتقم منهم ؟ وقيل : أيحسبون أنّ اللّه لا يؤاخذهم به ، ولا يعاقبهم عليه ، والمراد منه : تعظيم وعيد من يفتري ، وقرأ عيسى بن « 2 » عمر : « وما ظن الذين » جعله فعلا ماضيا ، والموصول فاعله ، و « ما » على هذه القراءة استفهاميّة أيضا في محلّ نصب على المصدر ، وقدّمت لأنّ الاستفهام له صدر الكلام ، والتقدير : أيّ ظنّ ظنّ المفترون ، و « ما » الاستفهاميّة قد تنوب عن المصدر ؛ ومنه قول الشاعر : [ البسيط ]
2909 - ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما * لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا « 3 »
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 354 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 354 ، البحر المحيط 5 / 171 ، الدر المصون 4 / 47 . ( 3 ) تقدم .