تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
فهذا الحكم تقولونه افتراء على اللّه ، أم تعلمون أنّه حكم حكم اللّه به » « 1 » ؛ والأول باطل بالاتّفاق ، فلم يبق إلّا الثّاني ، ومن المعلوم أنّه - تعالى - ما خاطبكم به من غير واسطة ، ولمّا بطل هذا ، ثبت أنّ هذه الأحكام إنّما وصلت إليكم بقول رسول أرسله اللّه إليكم ، ونبيّ بعثه اللّه إليكم ، وذلك يدلّ على اعترافكم بصحّة النبوة والرّسالة ، فكيف تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة ؟ . الوجه الثاني : أنه - عليه الصلاة والسّلام - لمّا ذكر الدّلائل الكثيرة على صحّة نبوّة نفسه ، وبيّن فساد سؤالاتهم ، وشبهاتهم في إنكارها ، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم ، وبيّن أنّ التمييز بين هذه الأشياء بالحلّ والحرمة ، مع أنّه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل ، فدل على أنّه طريق باطل ، وأنّهم ليسوا على شيء . قوله : « أرأيتم » : هذه بمعنى : « أخبروني » . وقوله :
« ما أَنْزَلَ »
يجوز أن تكون « ما » موصولة بمعنى : « الّذي » ، والعائد محذوف ، أي : ما أنزله ، وهي في محلّ نصب مفعولا أولا ، والثاني هو الجملة من قوله :
« آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ » ؟
والعائد من هذه الجملة على المفعول الأول محذوف ، تقديره : آللّه أذن لكم فيه ؛ واعترض على هذا : بأنّ قوله « قل » يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولا ثانيا . وأجيب عنه : بأنّه كرّر توكيدا ، ويجوز أن تكون « ما » استفهاميّة منصوبة المحلّ ب « أنزل » وهي حينئذ معلّقة ل « أرأيتم » وإلى هذا ذهب الحوفيّ ، والزمخشريّ ، ويجوز أن تكون « ما » الاستفهامية في محلّ رفع بالابتداء ، والجملة من قوله :
« آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ »
خبره ، والعائد محذوف كما تقدّم ، أي : أذن لكم فيه ، وهذه الجملة الاستفهامية معلّقة ل « أرأيتم » ، والظاهر من هذه الأوجه هو الأول ؛ لأنّ فيه إبقاءا ل « أرأيت » على بابها من تعدّيها إلى اثنين ، وأنّها مؤثّرة في أولهما بخلاف جعل « ما » استفهامية ، فإنّها معلّقة ل « أرأيت » وسادّة مسدّ المفعولين . قوله :
« مِنْ رِزْقٍ »
: يجوز أن يكون حالا من الموصول ، وأن تكون « من » : لبيان الجنس ، و « أنزل » على بابها ، وهو على حذف مضاف ، أي : أنزله من سبب رزق وهو المطر ، وقيل : تجوّز بالإنزال علن الخلق ، كقوله :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
[ الحديد : 25 ]
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ
[ الزمر : 6 ] . قوله :
« أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ »
في « أم » هذه وجهان : أحدهما : أنها متصلة عاطفة ، تقديره : أخبروني : آللّه أذن لكم في التحليل والتحريم ، فإنكم تفعلون ذلك بإذنه ، أم تكذبون على اللّه في نسبة ذلك إليه . والثاني : أن تكون منقطعة .
هامش
( 1 ) ذكره بهذا اللفظ الرازي في « تفسيره » ( 17 / 96 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 360 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب