تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
أكد هذا الدليل بقوله :
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
أي : إنه لمّا قدر على الإحياء في المرّة الأولى ، فإذا أماته ، وجب أن يبقى قادرا على إحيائه ثانيا ؛ فظهر أمره لنبيه بأن يقول :
« إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ » .
قوله تعالى :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 58 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قوله - تعالى - :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ
الآية . اعلم : أنّه - تعالى - لمّا بيّن أنّ الرسول حقّ وصدق بظهور المعجزات على يديه ، في قوله :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ
إلى قوله
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ يونس : 37 ] وصف القرآن هنا بصفات أربع : أولها : كونه موعظة . وثانيها : كوه شفاء لما في الصّدور . وثالثها : كونه هدى . ورابعها : كونه رحمة للعالمين . قوله :
« مِنْ رَبِّكُمْ »
يجوز أن تكون « من » لابتداء الغاية ، فتتعلّق حينئذ ب « جاءتكم » ، وابتداء الغاية مجاز ، ويجوز أن تكون للتّبعيض ، فتتعلق بمحذوف على أنّها صفة ل « موعظة » أي : موعظة كائنة من مواعظ ربّكم . وقوله :
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ
من باب ما عطف فيه الصّفات بعضها على بعض ، أي : قد جاءتكم موعظة جامعة لهذه الأشياء كلّها ، و « شفاء » في الأصل مصدر جعل وصفا مبالغة ، أو هو اسم لما يشفى به ، أي : يداوى ، فهو كالدّواء لما يداوى ، و
« لِما فِي الصُّدُورِ »
يجوز أن يكون صفة ل « شفاء » فيتعلق بمحذوف ، وأن تكون اللام زائدة في المفعول ؛ لأنّ العامل فرع إذا قلنا بأنّه مصدر . وقوله : « للمؤمنين » محتمل لهذين الوجهين ، وهو من التّنازع ؛ لأنّ كلّا من الهدى والرحمة يطلبه .

فصل [ في سبب كون القرآن موعظة ]

أمّا كون القرآن موعظة ؛ فلاشتماله على المواعظ والقصص ، وكونه شفاء ، أي : دواء ، لجهل ما في الصّدور ، أي : شفاء لعمى القلوب ، والصّدور موضع القلب ، وهو أعز موضع في الإنسان لجوار القلب ، قال - تعالى - :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] وكونه هدى ، أي : من الضّلالة ،
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ،
والرّحمة : هي النعمة على المحتاج ؛ فإنّه لو أهدى ملك إلى ملك شيئا ، فإنّه لا يقال رحمة وإن كان ذلك نعمة ؛ فإنّه لم يصنعها إلى المحتاج .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 356 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب