تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
وأظهروه ؛ لقوله - تعالى - :
رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
[ المؤمنون : 106 ] . الثالث : أنّهم أسرّوا النّدامة ؛ لأنّهم أخلصوا للّه في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسرّه ، وفيه تهكّم بهم وبإخلاصهم ، أي : أنّهم إنّما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته . ومن فسّر الإسرار بالإظهار ، فإنّهم إنّما أخفوا النّدامة على الكفر والفسق في الدّنيا ؛ لأجل حفظ الرّياسة ، وفي القيامة يبطل هذا الغرض ؛ فوجب الإظهار . قوله
« وَقُضِيَ »
: يجوز أن يكون مستأنفا ، وهو الظاهر ، ويجوز أن يكون معطوفا على « رأوا » فيكون داخلا في حيّز « لمّا » والضّمير في « بينهم » يعود على « كل نفس » « في المعنى ، وقال الزمخشري : « بين الظّالمين والمظلومين ، دلّ على ذلك ذكر الظّلم » . وقيل : يعود على الرؤساء والأتباع ، و « بالقسط » يجوز أن تكون الباء للمصاحبة ، وأن تكون للآلة ، وقوله :
« وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
قدّم الجارّ للاختصاص ، أي : إليه لا إلى غيره ترجعون ؛ ولأجل الفواصل ، وقرأ العامّة : « ترجعون » بالخطاب ، وقرأ الحسن ، وعيسى بن عمر « 1 » : « يرجعون » بياء الغيبة . قوله تعالى :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ يونس : 66 ] . قيل : تعلّق هذه الآية بما قبلها ، هو أنّه - تعالى - لمّا قال :
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ
قال ههنا : ليس للظّالم شيء يفتدى به ؛ فإنّ الأشياء كلّها ملك اللّه . وقيل : إنّه - تعالى - لمّا قال :
« وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ »
ثم قال له :
« قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ »
أتبعه بهذا البرهان القاطع على إثبات الإله القادر الحكيم ، وهو قوله :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
فدلّ على أنّ ما سواه فهو ملكه وملكه ، ولم يذكر الدّليل على ذلك ؛ لأنّه قد استقصى تقريره في أول السورة ، في قوله :
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ يونس : 6 ] الآية ، وقوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
[ يونس : 5 ] فاكتفى بذكره هناك ، وإذا كان الأمر كذلك ، كان قادرا على كلّ الممكنات ، عالما بكلّ المعلومات ، غنيّا عن جميع الحاجات ، فيكون قادرا على صحّة الميعاد ، وعلى إنزال العذاب على الكفّار في الدّنيا والآخرة ، وعلى إيصال الرّحمة للأولياء في الدّنيا والآخرة ، ويكون قادرا على تأييد رسوله بالدّلائل القاطعة ، والمعجزات الباهرة ، وكان كل ما وعد به ، فهو حقّ لا بدّ وأن يقع ، وأنّه منزّه عن الخلف في وعده ، فلمّا أخبر عن نزول العذاب بهؤلاء الكفّار ، وبحصول الحشر والنشر ، وجب القطع بوقوعه ، فثبت بهذا البيان أن قوله :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
يوجب الجزم بصحّة قوله :
« أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ »
ثم قال :
« وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
أي : غافلون عن هذه الدّلائل ، ثمّ
هامش
( 1 ) ينظر : إتحاف فضلاء البشر 2 / 116 ، المحرر الوجيز 3 / 125 ، البحر المحيط 5 / 168 ، الدر المصون 4 / 44 .